أبريل 22, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

كالعادة ضد مجهول

 

كتبت آية شريف

  كنا فى اوائل الربيع ورائحة زهور الموالح تملأ خياشيمى وتنتشر بالرغم من الضباب الكثيف الذى يلف الكون حولى فقد كان كل شئ ساكنا إلا من نسمات السحر وبرودة نهاية فصل الشتاء تنفذ من خلال ملابس خفيفة لم أجد غيرها أدثر به عندما خرجت من البيت الريفى المتهالك لأدرك قطارا يأتى مع الفجر بعد أن ودعت أمى وتركت على ظهر يمناها قبلة ودمعة سقطت بالرغم عنى .. ثم دست فى حقيبتى لفافة بها طعام فطورى عبارة عن قرص عجة ملفوف فى رغيف خبز بلدى ثم راحت تمطرنى بدعواتها .. جلست متئكا على رصيف المحط القديم انتظر قدوم القطار وما إن استقريت على أحد كراسى الدرجة الثالثة وأخذ النوم يداعب جفونى ورحت فى أغفائة لا أدرى ما مر على من الوقت ..وجدت أمامى فى الكرسى المقابل رجلا سمينا عظيم البطن ومعه سيده تبدو فى العقد الثالث من عمرها بينما هو يبدو يسبقها بعقدين ..ثم وجدت الرجل يتململ فى مقعده ..ثم قام يستأذن فى فتح زجاج النافذة .. ثم ألتفت إلىَّ وقال .. الجو اليوم جميل ..ألا ترى معى أن أيام الشتاء أجمل من أيام الربيع 

جلست على مقعدى الأنيق بالقطار الأسباني وراح يشق بى الطريق نحو قريتى النائية العزيزة على قلبى والتى درجت فيها وفى أذقتها سنوات طفولتى وصدرا من شبابى.. ثم سرى النوم إلى جفونى مع همهمة القطار وأصوات ضجيجه الخافتة .. لأصحو على صوت كالصاعقة إثر ارتطام القطار بقطار أخر على نفس الطريق وتطاير أجزاء العربات ووسط الصراخ والعويل رحت فى غيبوبة ..أفقت لأجدنى على سرير وفى يدى محلول حاولت أن أنهض لم أستطع حاولت أن استعلم أين أنا ..ومن أتى بى إلى هنا ..وجدتني غير قادر على الكلام ولأجد يدا حانية تربط على كتفى ثم ركزت النظر لأجد صديقى كمال يرنو إلىَّ بود وابتسامة ودودة وهو يقول ( لا عليك الحمد الله … كتب الله لك عمرا جديدا ).. ماذا حدث ياكمال وأين أنا .. ؟ ألم اودعك على المحطة منذ ساعات ..؟ قال نعم علمت من الاخبار بحادث القطار رقم ٩١٩ القائم من القاهرة إلى اسوان فحجزت على الطائرة إلى سوهاج والحمد لله أن كتب الله نجاتك..الحادث مؤلم ياصابر عدد الموتى بالعشرات ..والمصابين تخطوا المئات .. إنه الأهمال ياصابر وعدم المبالاة ..وغياب الضمير وإسناد الأمر إلى غيره ياصابر لو كان هذا الحادث فى كندا لأقيلت الحكومة ومثلت أمام القضاء .. وبقى مع كمال حتى تماثلت للشفاء وسافر معى قريتى وبقى معى إلى أن ودعنا أمى وأختى وسافرنا على القاهرة بالطائرة وها نحن فى الليلة الأخيرة لنا فى أرض الوطن ..غدا تنطلق بنا الرحلة ١٨٩٥ المتجه إلى كندا ..سلاما يا أحب بلاد الله إلى قلبى وإن جارت على حينا من الزمن .. بلدى وإن جارت على عزيزة.. ماتركتك برضاى ولا كرها لك ولكن حكامنا أرغمونا على الهجرة منها قصرا ..