أبريل 22, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

ذكرى حادث مكة في أول يوم للعام الهجري الجديد

الكاتب /أشرف فتحي عبد العزيز
حادثة الحرم المكي بدأت أحداثها فجر يوم 1 محرم 1400 الموافق 20 نوفمبر 1979، حين استولى أكثر من 200 مسلح على الحرم المكي وهو من مقدسات المسلمين، مدعين ظهور المهدي المنتظر، وذلك إبان عهد الملك خالد بن عبد العزيز. هزت العملية العالم الإسلامي برمته، فمن حيث موعدها فقد وقعت مع فجر أول يوم في القرن الهجري الجديد، ومن حيث عنفها فقد تسببت بسفك للدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة بعض رجال الأمن والكثير من المسلحين المتحصنين داخل الحرم. حركت الحادثة بسرعة مشاعر الكثير من المسلمين وجميع المسلمين شجبوها وأنكروها ووقفوا ضدها.
ففي الساعات الأولى من يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1979، تجمع حوالي 50 ألف مسلم من أرجاء العالم لصلاة الفجر في ساحة الكعبة بالمسجد الحرام. وكان من بينهم مئتا رجل يقودهم داعية أربعيني يُدعى جهيمان العتيبي.
وفور انتهاء إمام الحرم من الصلاة، دفعه جهيمان وأتباعه جانبا، وأمسكوا بمكبر الصوت.
وكانوا قد نقلوا نعوشا مقفولة إلى وسط ساحة الحرم، لإقامة صلاة الجنازة عليها. لكن عند فتح هذه النعوش، تبين أن بداخلها أسلحة سُرعان ما وُزعت على رجال جهيمان العتيبي.
وبدأ أحدهم يقرأ خُطبة مكتوبة، تُعلن ظهور “المهدي المنتظر” الذي سيحكم الأرض بالعدل بعد أن ملأها الظلم والقمع.
وكان هذا الإعلان استثنائيا بالنسبة للحجاج الموجودين في الحرم المكي. فثمة أحاديث تنقل عن النبي محمد حديثه عن ظهور المهدي المنتظر. ووُصف بأنه رجل ذو قدرات خاصة حباه بها الله. ويعتقد بعض المسلمين أنه سيخلق عصرا من العدالة والإيمان الحق.
وقال من ألقى الخطبة، ويُدعى خالد اليامي، وهو من أتباع جهيمان العتيبي، إن الكثير من العلامات مهدت لظهور المهدي المنتظر. وإن مئات المسلمين رأوه في أحلامهم، وقد وقر الآن في بالهم. وأعلن أن اسم المهدي المنتظر هو محمد بن عبدالله القحطاني.
وبحسب شهود لم يذكروا أسماءهم، كان جهيمان أول من بايع المهدي، وأمر أتباعه بأن يبايعوه كذلك. وتعالت أصواتهم وهم يقولون “الله أكبر”.
لكن المشهد ساده بعض الارتباك. ويقول عبدالمنعم سلطان، طالب مصري حضر الحصار وتقرب من بعض أتباع جهيمان، ويقول إن الحرم المكي كان به عدد من الحجاج الأجانب الذين لا يتحدثون العربية، ولم يفهموا ما يحدث.
وذُهل المصلون من مشهد الرجال المسلحين والطلقات التي خرجت من بنادقهم، إذ أن القرآن ينص صراحة على حرمة العنف داخل الحرم المكي. وحاول بعض من في المسجد الهرب من الأبواب قبل إقفالها.
ويقول عبدالمنعم إن الناس “فوجئوا لرؤية الرجال المسلحين. هو أمر غير معتاد. ولا شك أنهم خافوا من هذا المشهد. كان شيئا مثيرا للغضب”.
وخلال ساعة، اكتملت سيطرة المسلحين على المسجد. واعتُبر هذا الموقف تحديا لسلطة آل سعود.
وكان رد فعل القيادة السعودية تجاه الحصار متراخيا.
كان ولي العهد آنذاك، الأمير فهد بن عبدالعزيز آل سعود، يحضر القمة العربية في تونس. والأمير عبدالله، قائد الحرس الوطني المسؤول عن حراسة الأمراء والقادة، في المغرب. وتًرك الأمر برمته للملك خالد، الذي كانت صحته متردية، ووزير دفاعه الأمير سلطان.
ولم تُدرك الشرطة السعودية حجم المشكلة في بداية الأمر، وأرسلت سيارتي نجدة لاستطلاع الأمر. وبمجرد وصولهم قرب الحرم المكي، انهال عليهم وابل من الرصاص.
وعندما اتضحت خطورة الموقف، أطلقت وحدات الحرس الوطني جهودا ضئيلة لاستعادة السيطرة على الحرم المكي.
وبات واضحا أن العناصر التي نفذت الحصار خططت لأدق التفاصيل، ولا يمكن تفريقهم بسهولة. وفُرض طوق أمني حول الحرم المكي، وانتشرت القوات الخاصة، والمقاتلين، والوحدات المسلحة.
ويقول عبدالمنعم سلطان، الذي كان عالقا في الداخل، إن الاشتباكات تركزت في فترة ما بعد الظهيرة في اليوم الثاني للحصار. “رأيت قذائف المدفعية تتجه إلى المآذن. رأيت طائرات الهليكوبتر تحوم في السماء باستمرار. كما رأيت الطائرات الحربية”.
والحرم المكي بناء هائل، به ممرات طولها مئات الأمتار، تحيط كلها بصحن الكعبة، وكان البناء بارتفاع طابقين آنذاك. وفي اليومين التاليين للحصار، أطلقت القوات السعودية هجمات لاستعادة السيطرة على مدخل الحرم. لكن جهيمان وأتباعه نجحوا في صد هجماتهم واحدة وراء الآخرى، رغم نفاد السلاح وقلة أعدادهم.
ويقول عبدالمنعم إن جهيمان بدا شديد الثقة وهادئا عندما التقاه قرب الكعبة في هذا اليوم. “ونام لمدة نصف ساعة أو 45 دقيقة، وقد أراح رأسه على رجلي، في حين وقفت زوجته بجانبه. ولم تتركه أبدا”.
وأضرم أتباع جهيمان النار في السجاد والإطارات المطاطية لتتصاعد سحب الدخان، واختبئوا وراء الأعمدة، ثم خرجوا لمداهمة القوات السعودية التي اقتحمت المكان. وتحول الحرم إلى ساحة قتال، وسرعان ما ارتفعت حصيلة الضحايا إلى المئات.
وأصدر كبار شيوخ المملكة، الذين جمعهم الملك خالد، فتوى تسمح للجيش باستخدام كل مستويات القوة لدحر المسلحين الذين استولوا على الحرم. واستُخدمت القذائف الموجهة المضادة للدبابات والأسلحة الثقيلة لدحر أتباع جهيمان وإبعادهم عن المآذن، ونقلت المركبات أفرادا من القوات الخاصة لاقتحام البوابات.
وكان أتباع جهيمان مأخوذين بالمهدي. ويقول عبد المنعم سلطان إنه رآه “وكان تحت عينيه جرحان طفيفان، وقد مُزّق ثوبه وملأته الثقوب بفعل الرصاص. واعتقد أن بإمكانه الظهور في أي مكان بدون حماية لأنه خالد، فهو المهدي على أية حال”.
لكن ثقة القحطاني في حصانته كانت وهمية، فسرعان ما أصابته طلقات الرصاص.
وأبلغوا جهيمان بإصابة المهدي، الذي صاح في أتباعه “لا تصدقوهم، إنهم مدسوسون”.
وتمكنت القوات السعودية في اليوم السادس من السيطرة على ساحة الحرم المكي والمباني المحيطة به. لكن باقي أتباع جهيمان تحصنوا بمئات الغرف والزنازين تحت الأرض، إذ صدقوا جهيمان بأن المهدي ما زال على قيد الحياة في مكان ما في الحرم.
لكن موقفهم أصبح مترديا. فيقول الشاهد إن “رائحة تعفن الإصابات أو جثث الموتى أحاطت بنا. وكانت المياه متوفرة في البداية، لكنها بدأت تشح مع الوقت. كما نفدت إمدادات التمر، فبدأوا يأكلون العجين. كانت أجواء مرعبة، كما لو كنا في فيلم رعب”.
وأصدرت الحكومة السعودية بيانات متلاحقة تؤكد فيها انتصارها، لكن انقطاع بث الصلاة من الحرم كان يبعث رسالة مختلفة. ويقول هامبلي إن “السعوديين حاولوا استخدام خطط مختلفة، ولم تفلح. فكانوا يدفعون أتباع جهيمان إلى السراديب”.
وأصبح واضحا أن الحكومة السعودية بحاجة للمساعدة في القبض على قادة التمرد أحياء، وإنهاء الحصار. وتوجهوا للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان.
وقال جيسكار ديستان لـ بي بي سي إن “سفيرنا في المملكة أخبرني أنه من الواضح أن القوات السعودية غير منظمة ولا تعرف الطريقة المناسبة للتعامل مع الأزمة،” وهي المرة الأولى التي يؤكد فيها دور فرنسا في هذه الأزمة.
“وبدا لي الأمر خطيرا، بسبب ضعف النظام، وعدم جهوزيته، والتبعات الممكنة لهذا الموقف على سوق النفط عالميا”.
وأرسل الرئيس الفرنسي سرا ثلاثة مستشارين من وحدة مكافحة الإرهاب التي تشكلت حديثا. وكان يجب أن تظل العملية سرية، لتجنب أي انتقادات بشأن التدخل الغربي في مهبط رسالة الإسلام.
وتمركز الفريق الفرنسي في فندق في مدينة الطائف، حيث أعدوا خطتهم للتخلص من المتمردين، وهي ملأ السراديب التي تحصنوا بها بالغاز لمنعهم عن التنفس.
ويقول النقيب بول باريل، المسؤول عن تنفيذ الخطة: “حُفرت فتحات تصل إلى السراديب. وضُخ الغاز من خلالها، الذي انتشر في كل أركان مكان اختباء المتمردين بفضل انفجارات القنابل اليدوية”.
وبالنسبة للشاهد، الذي كان محبوسا في السراديب مع من بقي من أتباع جهيمان، بدا وكأن العالم ينتهي.
“شعرنا كما لو كان الموت قد أتانا، لأننا لم نعلم إن كان هذا صوت الحفر أو الأسلحة. كان موقفا مخيفا”.
ويقول ناصر الحزيمي، أحد أتباع جهيمان، إن “الطعام والذخيرة نفدا خلال آخر يومين. تجمعوا (المتمردين) كلهم في غرفة واحدة صغيرة، وألقى الجنود قنابل الدخان عليهم عبر فتحة في السقف. لهذا استسلموا. خرج جهيمان وتبعوه جميعا”.
وشهد الرائد النوفي الاجتماع بين الأمراء السعوديين وبين جهيمان “وسأله الأمير سعود الفيصل “لماذا يا جهيمان؟” فأجاب “إنه القدر”، ثم سأله إن كان يريد شيء ما، فطلب بعض الماء”.
وسيق جهيمان أمام الكاميرات. وبعد حوالي شهر، أُعدم 63 شخصا علنا في ثماني مدن في أرجاء المملكة، وكان جهيمان أولهم.