بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
قال رسول الله(ص):قال الله جل جلاله: أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الملوك وقلوبهم بيدي فأيما قوم أطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة، وأيما قوم عصوني جعلت قلوب الملوك عليهم سخطه. ألا لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ، توبوا إلىٌ أعطف قلوبهم عليكم. ص 341… المصدر أمانى الصدوق ص 220.
ورد فى أحد التقارير أن العالم العربي ينفق من 5 إلى 7 مليار دولار سنوياً لفك السحر وجلب المحبة وايقاع الضرر بين الناس ، ولعمل الحظوة ولدفع الأذى ، وحب السيطرة ونزعة الشر ، وجلب المال والجاه ، والنجاح في العمل والحياة.
في السياسة شيء من النبوءات، من الغموض، من الجنون، من الدجل. وكأن الشعوذة فعلاً هي من أهم مكونات حقائب زعماء السياسة. فالإيمان بالدجل من الموروثات الفكرية لأجيال سابقة ، تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل ، ولا يستطيع أى جيل إنكارها والعمل على إلغاءها ، ذلك لأنه ملزم أدبياً وأخلاقياً ليكرر ما قاله بني قومه وأجداده الأوائل عنها حتى لو لم يعترف بها.
يقول شكسبير “الأمنية تلد الفكرة.” إن أفكارنا تُولد من رغباتنا وأمانينا”. مسرحية “ماكبث” تدور حول رغبة بطل الرواية وزوجته في القوة ، ولكن بدون ساحرات “ماكبث” ، ببساطة لن تكون هناك قصة ترويها ، لأنها تحرك المؤامرة.
تعتبر السحرة في “ماكبث” مهمة لأنها توفر دعوة ماكبث للعمل. فالسحرة توفر لماكبث الديناميكية التي جعلت من ” ماكبث ” واحدة من أكثر مسرحيات شكسبير وأكثرها كثافة.
ماكبث هى مناقشة لسؤال وجدل حول الإرادة الحرة مقابل خطة الله المسبقة للإنسانية لقرون وما زالت المناقشة مستمرة حتى اليوم.
ومقالى اليوم هو محاولة لرصد العلاقة بين الأدباء والفلاسفة وعلماء النفس فيما يتعلق بسطوة السحر والشعوذة على مصير الشعوب والتنبؤ بالمستقبل للملوك والرؤساء.
تقول المصادر أن فرويد قرأ أعمال شكسبير في عمر الثامنة وكان قد حفظ مقاطع طويلة منها غيباً واستشهد بأمثال يستخرجها من مسرحيات شكسبير وغيرها من الأعمال الأدبية. فإذا كان دور الشعراء والفلاسفة هو اكتشاف اللاشعور فدور علماء النفس هو دراسة هذا اللاشعور.
تحكي مسرحية “ماكبث” عن القائد العسكري ماكبث وطمعه في أن يكون ملكاً على انجلترا فيقوم تحت تشجيع وإلحاح زوجته السيدة ماكبث بقتل الملك، ثم يرتب لسلسلة جرائم قتل للنبلاء القريبين الذين قد يستولوا على الحكم وقتل أبناءهم كذلك حتى لا يكون لهم وريث شرعي، لكنه في أثناء سلسلة الجرائم هذه يبدأ بالهذيان حيث تبدأ أشباح من قتلهم في الترائي له وسط المآدب التي يقيمها ويبدأ بالتكلم معها فاضحاً نفسه أمام الناس.
ويربط فرويد بين بطل مسرحية ماكبث وبين الملكة إليزابيث الأولى ملكة انجلترا فالزوجين ماكبث لا ينجبان الأطفال مثل حال الملكة إليزابيث الأولى. وأتى للحكم الملك جيمس الأول بعد الملكة اليزابيث وكان مهتماً بما كان يسمى وقتها (مطاردة الساحرات) وهي عملية مطاردة واضطهاد من كان يشتبه بهم انهم يمارسون السحر والكثير منهم كانوا في الحقيقة مرضى نفسيين أبرياء مما كانوا يتهموهم به إلا أن الكنيسة كانت تشجع هذه المطاردات وجرت الكثير من الاعدامات وقتها بدون أي محاكمة لهؤلاء الساحرات.
في بدء المسرحية يعاني ماكبث شيئاً من الندم على فعلته، ثم تصبح القسوة هى شعاره. وكانت زوجته فى بداية الأمر تدفعه وتحرضه على قتل الملك، ثم بدأت فى نهاية المسرحية تتراجع عن قسوتها ولا تستطيع النوم ليلاً.
يقول فرويد فى رسالة لزميل له: “لقد بدأت في دراسة ماكبث، ذلك العمل الذي عذبني منذ أمد بعيد.” يعتقد فرويد أن ماكبث والسيدة ماكبث ما هما إلا وجهان لشخصية واحدة ويستدل فرويد على ذلك بمقارنة ما يحدث لماكبث وللسيدة ماكبث زوجته قائلاً:
“إنه هو الذي عانى من هلوسة الخنجر قبل الجريمة؛ لكنها هي من وقعت تعاني من المرض العقلي لاحقاً. إنه هو الذي سمع بعد جريمة القتل صرخة في البيت تقول: (لن تنام بعد الآن! لقد قتل ماكبث النوم..) ولذلك فـ(ماكبث لن ينام بعد الآن)؛ لكننا لا نرى أنه سيعاني من مشكلة في النوم، بينما الملكة، كما سنرى، تبدأ بالنهوض من سريرها، وتتكلم وهي نائمة، فاضحة شعورها بالذنب… ولذلك فما يخافه هو من وخز للضمير يتحقق فيها”.
لا نستطيع أن نلوم شكسبير الذي عاش في القرنين السادس والسابع عشر على فكرته في أن الأمراض النفسية تأتي كعقوبة على جرم ما، فهذه الفكرة التي كانت شائعة في حينه .
رغم أن العلم تطور في فهم داء الوسواس القهري والمشي أثناء النوم إلا أن مسرحية شكسبير تبقى درساً أخلاقياً عظيماً كتبت بلغة شعرية بليغة، واستطاع فرويد بأفكاره العبقرية أن يترك لنا تأملات في تفاصيلها تغني موروثنا الفكري وتعمق فهمنا للنفس البشرية.
من خلال الرصد تجد أن العديد من الزعماء يعتمد على السحر والعرّافين، حتى أنك لتظن بأن السياسة في جزء كبير منها هي طلاسم ودجل:
القذافي كان يجلب كبار السحرة والمشعوذين، من دول أفريقيا والمغرب العربي، ويعتبرهم جزءاً كبيراً في قوته ودفاعاته وبالذات الاستخباراتية منها. ويقال إنه في أيام الثورة الأخيرة استخدم ساحراً لعمل طلاسم تحافظ على حياته وتحُول دون تمرُّد أتباعه. وفي النهاية اصطادوه من داخل ماسورة، ولم ينفعه السحرة.
صدام حسين قتل عرّافه لأنه تنبَّأ له بسقوط حُكمه بعد 23 عاماً. وحسني مبارك كان يثق في عرَّافته «أم ماجد». إيمان مبارك بالعرافين لم يقتصر على من هم بداخل البلاد ففي العام 1982 كان مبارك في باريس حين أحضر له الدكتور بطرس غالى منجمة فرنسية كانت شهيرة في أوساط الدبلوماسيين وقالت المنجمة لمبارك ضمن نبوءات أخرى كثيرة ستموت في السنة التى تعين فيها نائبا لك ويبدو أن هذا هو السبب الرئيس الذى جعل مبارك يرفض طيلة حكمه تعيين نائبا له…..وحاخام يهودي زعم عام 2009 بأن عبد الناصر مات مقتولاً بالسحر الأسود على يد ثلاثة حاخامات.
حتى البيت الأبيض والإليزيه لم يسلما من عيون العرافين. فريجان وزوجته نانسي كانا يقيمان عرافة عندهما في البيت الأبيض. وفرانسوا ميتران كان دائم الصلة بالعرافة «اليزيبيث تيسييه». الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر فعندما زار مصر فى منتصف السبعينات كان أول ما طلبه كارتر وسأل عنه سيدة غجرية تعيش فى منطقة نزلة السمان بالهرم واندهش الحاضرون حتى كشف كارتر عن السر وقال إنه زار مصر فى الستينات وقبل أن يفكر فى الترشح للرئاسة تقابل مع هذه السيدة التـى تنبأت له بأنه سيصبح رئيساً لأمريكا!
هذا ما ينطبق أيضا علي الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش والروسى السابق بوتين والفرنسي الحالي ساركوزى ، ورئيس دولة بورما « تان شوى »، فهو رجل مصاب بهوس السحر لدرجة دفعته للقيام بنقل العاصمة من مدينة يانجون 6 إلي قرية نيبيداو التي تفتقر إلى المياه والكهرباء، وتكمن داخل الغابات بسبب تنبؤ المنجم بسقوط الحكومة إذا لم ينقل العاصمة.
الرئيس جمال عبد الناصر كان يحب أن يستمع إلى المشتغلين بالأرواح والعفاريت، من بينهم الشيخ محمد لبيب، وكان يستدعيه لتسلية الضيوف بألعابه الغريبة. وحتى فى إسرائيل، هناك مداومة على صنع الأحجبة والأعمال السحرية، وتوزيع البركات على الجنود، ورجال الأعمال حتي كبار السياسيين قبل كل معركة انتخابية.
علي النقيض تماما كان الرئيس السادات لا يؤمن بالعرافين فقد كان ينفر من هذه الممارسات، لكن جيهان تحب ذلك وبالفعل فقد رُوى أنها كانت تستعين ببعض العرافين من داخل الكنيسة للحفاظ علي حبها مع الرئيس السادات فضلا عن تنبؤ عرافة لها بأنها ستصبح سيدة مصر الأولى.
كما يبدو أن العام الحالى سيشهد نهاية مبارك طبقا للتقارير الصحية الواردة من مستشفي شرم الشيخ، والغريب فى الأمر أن مبارك توفى بالفعل عند تعيين نائب له وهو عمر سليمان وهذا ما يفسره البعض بالسر وراء زيارة العرافة البدوية أم ماجد المستشفي عندما تذكر مبارك نبوءة العرافة الفرنسية منذ ما يقرب من ثلاثين عاما بوفاته فى نفس العام الذى يعين فيه نائبا له.
فضلا عن ذلك فهناك العديد من الرؤساء والزعماء العرب طالتهم شائعات اللجوء إلي العرافات والمنجمات، منهم جعفر نميرى رئيس السودان الأسبق عندما فوجئ وهو ضابط صغير بجنوب السودان بشخص غريب يظهر فجأة من بين الأشجار ويتنبأ له بالحكم والسلطان ثم يختفى وعندما تولى جعفر نميرى الحكم فى السودان فوجئ بنفس الرجل يظهر في بيته ويترك عصا ثم يختفى وظل نميرى محافظاً على تلك العصا لا يتركها من يده حتي كان اليوم الذي انكسرت فيه فحزن ولم يخرج من بيته إلى مبني الاتحاد الاشتراكي حيث الاجتماع السياسى الهام ليكتشف رجاله مؤامرة انقلاب عليه وقتله لينجو من القتل بسبب وجوده في منزله.
نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت ، وإلى كثير من الصراع مع المناخ الثقافى السائد من ناحية ، والصراع مع الذات من ناحية أخرى ، للخروج من دائرة الفكر الأسطوري ، والأخذ بناصية العلم والمعرفة والتكنولوجيا وامتلاك رؤية ممتنعة على الخوف من الكائنات الخرافية التي لا أساس لوجودها البتة.
طبقا لدراسة شهيرة لمركز البحوث والدراسات الجنائية فإن مصر بها دجال لكل 120مواطنا، و300 ألف ساحر يدّعون تحضير الأرواح ، ومثلهم يدّعون علاج الناس من الأمراض والمس الجنى بالقرآن والإنجيل ، وأن 50 % من نساء مصر يؤمن بالسحر وأعمال الدجل والشعوذة، ودائمات الزيارة للمشايخ والسحرة ، وأن 40% من المثقفين على علاقة بالسحرة والدجالين.
وليس العرش بحامل له بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، واستواؤه على العرش كما قال، وعلى الوجه الذي قال وبالمعنى الذي أراد، استواء منزهاً عن الاستقرار والمماسة والتمكن والحلول والانتقال، وهو سبحانه فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، وأن السموات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش في قبضة قدرته وتحت قهره وتسخيره ومشيئته.
وأنه تعالى خلق العالم من نوعين جسد وروح، وجعل الجسد منزلاً للروح لتأخذ زاداً لآخرتها من هذا العالم، وجعل لكل روح مدة مقدّرة تكون في الجسد، فآخر تلك المدة هو أجل تلك الروح من غير زيادة ولا نقصان، فإذا جاء الأجل فرّق بين الروح والجسد، وإذا وضع الميت في قبره أعيدت روحه إلى جسده ليجيب سؤال منكر ونكير، وهما شخصان هائلان عظيمان فيسألانه من ربك ومن نبيك فإن استعجم ولم يجب عذّباه وملآ قبره حيات وعقارب.
وقال رسول الله ﷺ: )يؤتى بالولاة يوم القيامة فيقول الله جلّ وعلا: )أنتم كنتم رعاة خليقتي وخزنة ملكي في أرضي( . ثم يقول لأحدهم: )لم ضربت عبادي فوق الحد الذي أمرت به( . فيقول: يا رب لأنهم عصوك وخالفوك. فيقول جلّ جلاله: )لا ينبغي أن يسبق غضبك غضبي( . ثم يقول للآخر: )لم ضربت عبادي أقل من الحد الذي أمرت به( ? فيقول: يا رب رحمتهم. فيقول تعالى: )كيف تكون أرحم مني خذوا الذي زاد والذي نقص فاحشوا بهما زوايا جهنم).
وقد جاء في الخبر أن داود عليه السلام كان يخرج ليلاً متنكراً بحيث لا يعرفه أحد، وكان يسأل كل من يلقاه عن حال داود سراً، فجاءه جبريل في صورة رجل فقال له داود: ما تقول في داود? فقال: نعم العبد، إلا أنه يأكل من بيت المال ولا يأكل من كدّه وتعب يديه. فعاد داود إلى محرابه باكياً حزيناً وقال : إلهي علمني صنعة آكل بها من كدي وتعب يدي. فعلمه الله تعالى صنعة الزرد.
وكان عمر بن الخطاب يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللاً يتداركه وكان يقول: لو تركت عنزاً جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن أسئل عنها في القيامة.
Post Views:
112
Tags: الحياة نيوز دكتور طارق رضوان

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي