بقلم أحمد محمود شرقاوي
– أنا بكتب ويمكن دموعي بتسيل على خدي يا أستاذ أحمد، ربنا العالم اني مظلمتهاش ولا كنت أتخيل في يوم إني اظلمها أو حتى اضايقها بكلمة واحدة، دي بنتي يا أستاذ أحمد ومكنتش أتخيل في يوم ان يحصلها كل ده بسببي انا
– استهدى بالله واحكيلي اللي حصل
– حاضر
كل حاجة عمالة تضيق تضيق، الحالة المادية وصلت معايا لتحت الصفر حرفيا، وصلت لمرحلة إني استلفت من طوب الأرض وبقيت مديون بفلوس كتير، ويشهد ربنا اني بستلف بس عشان ناكل أنا ومراتي وبنتي، اطردت من الشغل بسبب إني كشفت عملية احتيال في مخازن الشركة، وطبعا عشان المدير هو اللي بيسرق فعرف يطلعني انا اللي حرامي، واتطردت من الشركة في أخر الشهر وكمان اتخصم مرتبي كله..
ودفعت كل اللي محوشه للإيجار وبقينا حرفيا بدون أي مصدر دخل، وصلت لمرحلة إني بقيت انزل الصبح ادور على شغل وانا ماشي على رجلي أو اشتغل باليومية مع أي عامل بيبني عشان أجيب أكل لمراتي وبنتي، وضاق الحال أكتر وأكتر وبقيت ببص للسما ودموعي على خدي كل يوم، بناديه واطلب منه الرزق والرحمة، مانا مليش غيره هو اللي خلقني وهو اللي يرزقني..
لحد ما جت وقفة العيد الكبير، وحرفيا مكانش معايا تمن كيلو لحمة، وبدأت بنتي اللي عندها تمن سنين تبكي وتطلب مني فستان جديد عشان تلبسه في العيد وسط اصحابها وهي بتلعب في الشارع، وحسيت وقتها بخنجر بارد بيقطع في قلبي لما عرفت اني مش هقدر أجيب لها اللي نفسها فيه..
ومن شدة حزني نزلت للشارع وانا تقريبا عامل زي التايه، اللي عقله ضايع، ماشي أكلم نفسي زي المجانين، جعان ومش عارف أروح ولا آجي منين، روحت للسوبر ماركت وطلبت أكل على الحساب بس صاحب المحل رفض وطالبني باللي عليا..
حسيت بإحراج الدنيا، عرفت وقتها إن الحال ممكن يتبدل في لحظها واننا غرقانين في النعم بس مش حاسين بيها، ولمحت قدام صندوق الزبالة كيس مكتوب عليه برجر، بصيت يمين وشمال ملقتش حد شايفني، قربت من الكيس وفتحته بس كان فاضي، اتعصبت اكتر ولقيت نفسي بدور في صندوق الزبالة على أي أكل، كنت قرفان بس الجوع تعبه أكبر، ووسط مانا بدور لمحته..
فستان صغير بس متغرق دم، ولحظتها افتكرت ريم بنتي وهي بتطلب مني فستان، اتمنيت من كل قلبي إن الفستان كان يكون مش عليه دم كنت هاخده، بس
ثانية واحدة، وهيفرق في ايه مانا هنضفه كويس عشان خاطرها، دورت في الفستان كويس لقيته سليم وشيك جدا، حطيته في كيس اسود من وسط الزبالة ورجعت للبيت، مراتي شافتني بالكيس وسألتني بس انا اتهربت ودخلت على الحمام بسرعة..
فتحت المية وحطيت الفستان فيها وبدأت أغسل فيه عشان الدم يخرج، وبعدها خدته وروحت على المغسلة، كانت أخر خمسة جنيه معايا وكنت شايلها لأكل بالليل، دفعتها للراجل وطلبت منه يسامحني ويغسل الفستان بيها ويكويه..
الراجل كان شهم وحلف ليعملوا ببلاش وفعلا حط الفستان في المغسلة واستنيت معاه ساعة لحد ما اتغسل واتكوى ورجع جديد كأنه طالع من الكيس..
خدته وجريت زي الطفل الصغير على بنتي اللي صرخت من الفرحة وحضنتني حضن نسيت بيه الدنيا كلها، وشوفت في عنين مراتي نظرة خوف، وكأنها قلقانة أكون سرقت عشان أجيب الفستان، طمنتها ودخلت أنام شوية لحد تاني يوم، العيد..
وعدى العيد وربنا رزقنا بهدايا من الأهل والحمد لله اتسترنا حتى في اكل اللحمة عشان بنتي متحسش انها محرومة، وبعد العيد على طول كملت رحلة البحث عن أي شغل، وفي ليلة مريبة صحيت عشان اشرب وعديت من قدام اوضة بنتي..
واتسمرت مكاني لما سمعت صوت بنتي بتكلم حد في الاوضة، قلت يمكن بتتكلم وهي نايمة، بس الحوار كان طويل ولو اني مفهمتش ولا كلمة من اللي بيتقال، فتحت باب الاوضة بالراحة وعلى النور الضعيف لمحت ظل طفلة واقفة قدام سرير بنتي اللي ممددة على السرير..
جسمي كله اتلبش وخفت على بنتي وفتحت النور في لحظتها عشان اتفاجئ إن بنتي لوحدها ونايمة كمان، قربت منها واطمنت انها نايمة وقفلت عليها الباب ورجعت مكاني..
بس اول ما رجعت سمعت صوت حاجة بتتحرك في الصالة، قلقت شوية خاصة إن بنتي لسة شايفها وكانت نايمة، خرجت للصالة وفوجئت بظل بيجري ناحية الحمام وصوت ضحك أطفال..
الموقف خلى شعر جسمي كله يقف وقلبي ينط من مكانه، قربت من الحمام وانا بترعش وبدعي ربنا تكون تخيلات، فتحت باب الحمام بالراحة خالص و
واتنفضت من مكاني لما لمحت الظل خرج يجري من الحمام ناحية اوضة بنتي، جريت بسرعة على الاوضة وانا بنادي بإسم ريم، فتحت الباب وبصيت ملقتش بنتي مكانها، قلبي وقع مكانه و
وصرخت لما حاجة لمست ايدي، بصيت ورايا لقيت ريم واقفة مبتسمة وهادية تماما، حضنتها بخوف وسألتها:
– انتي كويسة
– ايوة يا بابا كويسة
حمدت ربنا انها بخير وحمدته اكتر لما لقيت مراتي لسة نايمة مصحيتش، رجعت ريم للسرير وبوستها وغطتها وجيت اخرج من الاوضة عشان تقول:
– يا بابا نورا بتقولك بلاش تيجي الأوضة بالليل
بصتلها بذهول وقولت:
– نورا مين يا حبيبتي
– نورا صاحبة الفستان يا بابا
واتنفض جسمي كله وانا بحاول استوعب الكلام اللي بيتقال ده، حاولت اتمالك الموقف واطمن بنتي انها بتتخيل ورجعت انام وان مقدرتش اطلاقا..
تاني يوم وفي نفس التوقيت صحيت من نومي على صريخ مراتي في الحمام، جريت عليها وكسرت الباب وانا في حالة فزع عشان اتفاجئ بيها مرمية في الأرض وبتتنفض، خدتها وجريت على برة عشان تقول انها شافت طفلة مدبوحة في الحمام..
ووسط بكائها لقيت ريم بتطبطب عليها وبتقول:
– انا هخليها متخوفكيش تاني يا ماما
تجاهلت كلام ريم عشان اطمن على مراتي الأول، دخلتها تنام ورجعت ريم سريرها وقعدت في الصالة افكر، وان كانت دماغي واقفة خالص، حاسس اني مضغوط وهنفجر، مكنتش ناقص في حياتي أي أحداث جديدة خالص..
فتحت الشباك ولمحت العمارة الكبيرة اللي قدام البناية المتواضعة بتاعتي، واللي ساكن فيها المدير اللي طردني، حسبي الله ونعم الوكيل فيه..
ووسط تفكيري قطع نور الشقة كله، وقبل ما اتحرك من مكاني واروح اشوف بنتي ومراتي سمعت صوت حاجة بتزحف من تحت الكراسي، جسمي كله اتخشب وحسيت ان قلبي هيخرج من مكانه، ولعت نور الكشاف بالراحة وسلطته ناحية الكرسي اللي جاي من عنده الصوت..
وشهقت، شهقت بكل رعب الدنيا لما لمحت طفلة خارجة من تحت الكرسي، مدبوحة ورقبتها بتسيل في دم وعنيها بيضا وشعرها مخلوط بدمها ونازل على وشها..
رجعت مكاني عشان أقع في الأرض، لقيتها وقفت و
وضحكت بصوت عالي وجريت زي الصاروخ ناحية اوضة بنتي، قمت من مكاني وانا بترنح وجريت ناحية الاوضة لقيت الباب مقفول، خبطت بكل عنف وكنت هكسر الباب، مراتي صحيت وهي مرعوبة بس طلبت منها متخرجش من اوضتها، ضربت الباب مرة واتنين وانا هموت من القلق على بنتي، كنت سامع صوت الضحكات زي ماهي..
في النهاية الباب اتكسر، لقيت بنتي واقفة وباصة للمراية في ثبات، سلطت الضوء ناحيتها وشوفت..
شوفت انعكاس بنتي في المراية، كانت هي البنت المدبوحة، جريت على بنتي عشان تقولي بغضب:
– متخضناش يا بابا كل شوية عشان نورا متزعلش مني
وقفت مكاني متخشب ببص برعب ناحية بنتي وناحية انعكاسها المرعب وقولت بصوت لاهث:
– قوليلها تمشي يا ريم عشان احنا بنخاف منها
بصتلها وهمست لها، شوية وقالتلي:
– بتقولك لازم تخرجها من سجنها عشان تمشي
الرعب راح من قلبي وحسيت بالتعجب وقولت:
– سجن ايه يا ريم
– السجن اللي مدفونة فيه، موافق ولا لا
خوفي على بنتي خلاني اقولها موافق، وفعلا خرجنا من العمارة بعد ما النور جه واطمنت على مراتي، مشيت معاها لبعد العماير الكبيرة ناحية الأرض المهجورة، وبعد ما وصلنا لنص المكان المظلم والمخيف قولت لريم:
– فين يا ريم
لقيتها بصت ورايا وقالت:
– فين يا نورا
بصيت ورايا بسرعة وشهقت من تاني، شهقت شهقة موت، كانت الطفلة المدبوحة ماشية ورانا ورقبتها بتنزل دم، مسكت كف بنتي بقوة ووقفت اراقبها وانا مرعوب، بترعش، كان شكلها مخيف وهي ماشية وسط أرض فاضية مظلمة وراحت وقفت على مكان وشاورت عليه، بنتي شدتني من ايدي وقالت:
– يالا يا بابا احفر
وطبعا كان مستحيل اقرب وهي واقفة، لقيتها بعدت شوية بشكلها المرعب، وغصب عني لقتني بحفر بكل قوتي لحد ما ظهرت الجثة، استعذت بالله وقولت لريم وانا ببكي من الحزن:
– مين اللي عمل كدا
بصتلها شوية ورجعت قالتلي:
– اللي طردك من الشغل
وقتها وقفت أبص بذهول ناحية بنتي، بصيت ناحية نورا لقيتها مش موجودة وكأنها اختفت، رجعت الجثة مكانها بسرعة وردمت عليها، فيه حاجة لازم اتأكد منها، فضلت مستني تاني يوم بفارغ الصبر، واتصلت بسرعة بزميل ليا وطلبت منه يعرفلي اسم بنت المدير..
قلق مني شوية بس انا طمنته، شوية واتصل بيا وقال ان ملوش بنات، بس مراته الجديدة عندها بنت اسمها نورا بس تايهة بقالها كام يوم..
وهنا بس فهمت، فهمت كل حاجة، المدير اللي طردني وساكن جمبي هو اللي قتل بنت مراته ايا كان السبب وراح دفنها في الأرض اللي ورا العماير عشان محدش يشك فيه..
الله أعلم بينتقم منها ولا كاره البنت، بس انا لازم اعمل حاجة، ولازم اتحجج بحجة كويسة عشان أبرر للشرطة ازاي لقيت الجثة، وروحت للقسم وبلغتهم اني كنت راجع من الأرض الفاضية امبارح ولفت نظري كوم رمل شكله مختلف في المكان ولما حفرت لقيت جثة..
طبعا اتحفظوا عليا وراحت قوة للمكان خرجوا الجثة بسرعة، وعدت الأحداث بسرعة غريبة، الطب الشرعي اثبت ان الوفاة بسبب الدبح، أم البنت كانت مبلغة اللي هي مرات المدير واستدعوها عشان تتعرف على البنت وفعلا عرفتها..
اتحقق مع الجيران اللي قالوا ان جوز امها كان بيضربها كتير وبيشتمها، ولما اتحقق مع العمال في المصنع اعترفوا ان المدير شخص غير سوي نفسيا وحرامي وانه لفق لشخص ما تهمة سرقة المخزن وطرده من الشغل، طبعا كانوا يقصدوني انا بس كانوا خايفين يعترفوا في وجوده..
ومع التحقيق المكثف اعترف في النهاية انه قتل البنت عشان مكنش طايق وجودها في البيت، وكمان عشان كانت عنده عقدة نقص، مكنش بيخلف ومراته كانت بتعايره ان عندها بنت وهو لا..
بس فوجئ يوم الجريمة انه قتل البنت ودمها غرق فستانها، حاول يقطع الجثة بعد ما قلعها فستانها بس مقدرش، ومن خوفه نسي فستان البنت وراح دفن الجثمان، ولما رجع وفوجئ بالفستان راح رماه في صندوق الزبالة وراح مبلغ باختفاء البنت، كل ده يوم ما راحت أمها تزور حد قريبها..
بس ربك كان بالمرصاد والفستان كان سبب لكشف الجريمة، بس الغريب ان الظابط المسؤول عن القضية استدعاني في قعدة ودية، وحكيت له كل حاجة تفصيلا، طبعا قالي انه استحالة يكتب كدا في محضر رسمي مع انه مصدقني، واستدعى رئيس مجلس الإدارة عشان يرد اعتباري..
وفوجئت بقرار رجوعي للشغل وست شهور مكافأة اعتذارا من الشركة ليا عشان انا شخص أمين، وفي يوم وليلة بقيت معايا اللي يسد ديوني كلها ويرجعني تاني لحياتي..
وقتها دمعت كتير اوي، مش عشان فرحان لا، عشان رحمة ربنا اللي متخلاش عني، يمكن ابتلاني فترة وانا رضيت، ويمكن شوفت أيام صعبة، بس هو كان حنين أوي وجبر بخاطري، وحبيت ابعتلك القصة دي يا استاذ أحمد عشان تستوحي منها قصة تحكيها للناس وتكون عبرتها حاجة واحدة..
“وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”


More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب