بقلم الأستاذ الدكتور جمال شحاتة
عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة
في كبسولة اليوم سنلقى النظر بصور مختصرة عن الثورة الصناعية الرابعة وتاثيرها علي تلبية طموحات الأمم في التحول واللحاق بركب التقدم وخاصة في ظل الأزمة الإقتصادية العالمية الحالية والتي يرجع تاريخها للعام 2008 وتمتد معنا الأن بفعل تأثير جائحة كورونا والتي أحدثت حالة من عدم التأكد لدي كثير من صانعي السياسات المالية والإقتصادية حول العالم. تمثل الثورة الصناعية الرابعة تغييرًا جوهريًا في الطرق التي نعيش ونعمل بها. إنها بمثابة فصل جديد في التنمية البشرية، تم تشكيله من خلال التطورات المشابهة لتلك التي حدثت في الثورات الصناعية الأولى والثانية والثالثة – مثل دمج العوالم المادية والرقمية والبيولوجية ودمج التقنيات بطرق واعدة ولكنها محفوفة بالمخاطر. لقد أجبرتنا سرعة هذه الثورة واتساعها وعمقها على إعادة التفكير في الكيفية التي ينبغي أن تتطور بها الأمم، وعلمتنا طرق جديدة غيرت ما تقم به المؤسسات لخلق القيمة وكيف يمكن للناس من جميع مناحي الحياة الاستفادة من الابتكار. الآن ، بينما يتصارع العالم مع وباء جائحة كورونا، فهناك فرصة لاحتضان هذه الثورة بشكل أكبر و بطرق تخلق اقتصادًا عالميًا أكثر شمولاً يركز على الإنسان ومحوره تحسين جودة حياة البشرية.
والسؤال الأن ما هي القضايا الجوهرية التي تشكل أركان هذه الثورة الصناعية الرابعة حتي نفهم طبيعتها ونتعلم استراتيجية التعامل معها وتسخيرها لتلبية طموحات الأمم؟
القضية الأولي: ضرورة دراسة تاثير الثورة الصناعية الرابعة علي الأخلاق والهوية
Ethics and Identity
وهنا يجب ان ندرس بدقة كيف تؤثر هذه الثورة الصناعية في منظومة الأخلاق والقيم والتعاملات البشرية وعلاقة الإنسان بالألة. و علينا هنا أن نسأل كيف يجب أن نتعامل مع آلات لها صفات شبيهة بالإنسان؟ فالابتكار الذي أطلقته الثورة الصناعية الرابعة، سواء كان مرتبطًا بالبيولوجيا التركيبية أو الحوسبة الكمومية أو الذكاء الاصطناعي، هو إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا من خلال دفع حدود العمر والصحة والإدراك بطرق كانت تقتصر في السابق على الخيال العلمي. مع إجراء اكتشافات جديدة، فإن المناقشة الأخلاقية ذات الصلة أصبحت أمراً بالغ الأهمية إذا كان الناس سيتمكنون من الاستجابة بشكل مناسب لظواهر مثل ارتفاع مستوى الأعمار للبشر، وتحرير الجينات، واستخراج الذاكرة. و يفرض المجال البيولوجي على وجه الخصوص مجموعة من التحديات الأخلاقية عندما يتعلق الأمر بالتنظيم والأعراف الاجتماعية. وهنا تطرح التقنيات الجديدة أسئلة حول ما يعنيه أن تكون إنسانًا، وما هي المعلومات المتعلقة بالصحة الشخصية التي يجب مشاركتها مع الأخرين، وما هي الحقوق والمسؤوليات التي لدينا فيما يتعلق بتغيير الشفرة الجينية للأجيال القادمة. وقد ينشأ عن هذه الثورة ايضا العديد من الأسئلة الأخرى المتعلقة بالبشرية، وكيف يجب أن تتعامل المجتمعات مع الآلات التي لها صفات شبيهة بالإنسان والقدرة على اتخاذ قرارات متلقة بالحياة أو الموت بشكل مستقل. فقد أصبحت قضايا مثل الخصوصية وأمن البيانات والهوية من الموضوعات الهامة بصورة متزايدة لواضعي السياسات والهيئات التنظيمية وكذلك قادة الشركات في شتى بقاع العالم.
و أصبح من الواضح و بشكل متزايد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في إستمرارية التحيزات التاريخية للبشر الذين صنعوها في الأول. كما أن هذه انظمة الذكاء الاصطناعي، قد تستخدم في مواقف أخري وبشكل عام بصورة تهدد حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنيات التعرف على الصور أن تصنف بشكل خاطئ الوجوه السوداء، وتميز خوارزميات إصدار الأحكام ضد المتهمين السود، ويمكن لروبوتات الدردشة بسهولة أن تتبنى لغة عنصرية وكارهة للنساء مثلا،فوفقًا لتقرير نشره معهد AI Now في عام 2019 وجد أن هناك أيضًا مخاوف متزايدة من ذلك. من ناحية أخري تعمق الثورة الصناعية الرابعة علاقاتنا الفردية والجماعية مع التكنولوجيا، وقد تؤثر أيضًا سلبًا على المهارات الاجتماعية – مثل القدرة على التعاطف. نظرًا لأن المحادثة وجهًا لوجه غيبت بالتفاعل عبر الإنترنت، فهناك مخاوف من أن يعانى من أجل الاستماع لبعض أو التواصل بلغة العين أو قراءة لغة الجسد بدقة. ولذا هناك حاجة للتأكد من أن هذه الثورة الصناعية تعزز الفردية والإنسانية، وهناك الأن نظرة قوية إلى التكنولوجيا كونها مجرد أداة يصنعها الناس ومن أجل الناس. لذلك يحتاج الأفراد والمنظمات إلى تحمل المسؤولية الجماعية لتعزيز الابتكار الذي يخدم المصلحة العامة قبل كل شيء.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في الأخلاق والهوية في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. مستقبل الإعلام الترفيه والرياضة
2. التصميم الشامل
3. التكنولوجيا الحيوية
4. مستقبل الصحة والرعاية الصحية
5. العنصرية المنظمة
6. الهوية الرقمية
7. الطب الدقيق
8. العلوم السلوكية
9. العدل والقانون
10. الفنون والثقافة
11. القيم
12. الذكاء الاصطناعي
القضية الثانية: ضرورة حوكمة التكنولوجيا المرنة خفيفة الحركة
Agile technology governance
ستكون بعض الحكومات قادرة على إعادة اختراع نفسها من أجل فهم أفضل لما تقم بتقنينه.
الثويرة الصناعية الرابعة قد تضطر الحكومات إلى إعادة اختراع الطرق التي تعمل بها من أجل مواكبة التطور التكنولوجي الكثيف. فتعمل الأدوات الرقمية القوية مثل الذكاء الاصطناعي على إلغاء الوسطاء في الأسواق بأكملها وبسرعة – مما يؤدي إلى إبعاد التأثير عن المنظمين التقليديين والعمال غير المهرة، واسناد هذه المهام و بشكل متزايد إلى الشركات والعمالة الماهرة. حتى أن الحكومات في اماكن كثيرة تواجه تحديًا لتجاوز فقط مجرد فهم التطورات التكنولوجية الرئيسية والقدرة على تخفيفها وتشكيلها وتسخيرها من أجل إدرة شئون الحكم بشكل أفضل – أي لتصبح أكثر سهولة وشفافية وجديرة بالثقة. وهنا ستضطر الحكومات التي تجري هذا التحول إلى تغيير نهجها بالكامل في إنشاء وإنفاذ قواعد وقوانين تحفز الابتكار بشكل آمن بدلاً من إعاقته. و قد تضطر هذه الحكومات إلى إنشاء أدوات جديدة تمامًا للتعامل مع انتشار التقنيات الجديدة، إما عن طريق رعاية وتطوير الخبرة الداخلية بها أو العمل مشاركة مع القطاع الخاص. ونرى ان أولئك الذين يتمتعون بالمرونة سيتمكنون من إيجاد طرق جديدة لإعادة ابتكار أنفسهم من أجل فهم أفضل لما ينظمونه أو يقننونه – بل ستزيد لديهم القدرة علي التوجيه والتطور التكنولوجي بطرق تعمل على تحسين حالة العالم للجميع كله بشرط توافر الإرادة لإحدث ذلك.
وهنا نود الإشارة إلي ان شبكات الهاتف المحمول الأسرع من فئة الجيل الخامس ستجعل الاتصالات الرقمية أكثر انتشارًا فقط،و تعمل زيادة قوة المعالجة وسعة التخزين على تعزيز نطاق المعرفة المتاحة على الفور لأي مستخدم للكمبيوتر. وعند اقتران هذا، بزيادة توافر البيانات الغنية والدقيقة والمتنوعة وبالجودة العالية وباستخدام عمليات تحليل عميقة وخاصة، ستزيد القدرة على إعادة تشكيل الاتصالات المتاحة تحسين تقارير الأخبار والخدمات العامة وبشكل جذري و بطرق يمكن أن تستجيب بشكل مباشر أكثر لاحتياجات الجمهور العريض وخاصة في الدول كثيفة السكان كمصر. ولكن علينا أن نعلم أن هناك أيضًا مخاطر جدية ذات صلة يجب إدارتها. فوفقًا لتقرير Cisco السنوي للأمن السيبراني لعام 2018، طور المهاجمون الإلكترونيون الذين يستهدفون الحكومات برامج ضارة متطورة ومهددة بشكل متزايد، بل تمكنوا من تغطية مساراتهم بالتشفير أثناء استغلال نقاط الضعف الجديدة في الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء. وهنا ستكون القواعد الجديدة والمتطورة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي كمثال، والتي دخلت حيز التنفيذ في 2018 ، حاسمة لإدارة عواقب مثل هذه التهديدات – ولكنها ستحتاج الي وقت للحكم علي فعاليتها في موجهة خطر الإختراق.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في حوكمة التكنولوجيا المرنة خفيفة الحركة في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. الحوكمة المرنة
2. الحوكمة العالمية
3. انترنت الأشياء
4. الإتصالات الرقمية
5. تقنية الجيل الخامس 5G
6. تعظيم الشفافية والثقة باستخدام الية Blockchain
7. الأمن الإلكتروني
8. الإبتكار
القضية الثالثة: ضرورة تدعيم مفهومى الوكالة والثقة Agency and Trust فيما يتعلق بالمعلومات
يمكن أن تصبح القدرة على توفير الأمن والوكالة على البيانات الشخصية عاملاً تنافسيًا
تم بناء الثورة الصناعية الرابعة على أساس البيانات كمصدر للابتكار والحوكمة. في حين أن منح الأشخاص مزيدًا من الوكالة على بياناتهم يمكن أن يحسن علاقاتهم مع المؤسسات التي يجب عليها الاعتماد عليهم يوميًا ، فإن استخدام القياسات الحيوية، والتعرف على الوجه، والمصادقة متعددة العوامل (التحقق من مستخدم ببيانات اعتماد متعددة) يمكن أن يساعد في بناء الثقة – وهو شيء أصبح نادراً بشكل متزايد مع زيادة الجرائم الإلكترونية والاستغلال التجاري للبيانات الشخصية. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي نفس التكنولوجيا التي يمكن أن تحسن من عمليات التحقق إلى استنفاد الثقة نفسها؛ الذكاء الاصطناعي ، على سبيل المثال ، يمكن أن يكون عرضة للتلاعب وتحيزات مبرمجيه من البشر المطورين انفسهم. يطالب الناس عمومًا بمزيد من الوكالة فيما يتعلق ببياناتهم، وتستكشف بعض شركات التكنولوجيا والحكومات أنظمة هوية لامركزية يمكنها في النهاية تمكين المستخدمين؛ فقد أعلنت مجموعة شركات مثل Microsoft و Accenture و MasterCard عن خطط للاستثمار في النماذج اللامركزية. على سبيل المثال، طورت حكومة مالطا طريقة للمؤسسات التعليمية لإصدار بيانات اعتماد أكاديمية قائمة على blockchain يملكها الطلاب، ومحمولة، ويمكن التحقق منها على الفور. بحلول عام 2022 ، سيكون لدى حوالي 150 مليون شخص هويات قائمة على blockchain ، وفقًا لمؤسسة IDC ، على الرغم من أن التكنولوجيا لا تزال في مرحلة مبكرة نسبيًا من التطوير.
وتقليديا، لعبت الحكومات أو البنوك دور “مرساة الثقة” في المعاملات المالية، على الرغم من أن نماذج الهوية الرقمية الناشئة تتضمن جهات فاعلة جديدة. على سبيل المثال ، تعتمد كبسولة بدء تشغيل الصيدلية، المشار إليها باسم “أوبر للأدوية” ، على الأطباء كمصدر للثقة عند ملء الوصفات الطبية الإلكترونية للتسليم. و توجد العديد من جهود الحوكمة ذات الصلة بهذا الموضوع، مثل إطار العمل الكندي الاستئماني وتنفيذ الاتحاد الأوروبي لاستراتيجية أخلاقية للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك ، فإن احتكار منصات التكنولوجيا المستخدمة في البحث ووسائل التواصل الاجتماعي – وانتشار جمع البيانات الشخصية – يعقد الجهود المبذولة لكسب الثقة الرقمية. فوفقًا لنتائج الاستطلاع الذي نشره مركز بيو للأبحاث في عام 2018 ، فإن ما يقرب من نصف المشاركين الأمريكيين لم يثقوا بالحكومة لحماية بياناتهم الشخصية، ولم يثق 51٪ في شركات وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الشأن أيضًا. بينما يتوقع مستخدمو الإنترنت تجارب شخصية، فإنهم يتوقعون أيضًا الأمان والوكالة على البيانات الشخصية – وهو أمر يمكن أن يصبح عاملًا فارقا بين الشركات والمؤسسات. يجب على أصحاب المصلحة في كل صناعة تعزيز الإشراف على ممارسات حماية الهوية والتي تضع المستخدم في مركز الأنظمة، وإنشاء آليات حوكمة تعاونية، وأن تأخذ التفاعلات بين الهويات البشرية وغير البشرية في الاعتبار.
القضية الرابعة: ضرورة التعامل مع الخلل الواضح في سوق الوظائف الحالي والعمل علي تدعيم المهارات الجديدة المطلوبة للتحول Disrupting Jobs and Demanding New Skills
هنا نقول أنه يجب مساعدة الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم بسبب الاضطرابات المرتبطة بالتكنولوجيا أو الوباء على اكتساب مهارات جديدة.
حيث ان الثورة الصناعية الرابعة تؤثر تأثيرا جذريا على سبل العيش وتولد الطلب على مهارات جديدة. ففي دولة كالمملكة المتحدة ، على سبيل المثال، سيعمل موضوع تبنى الذكاء الاصطناعي والتقنيات ذات الصلة عي إلغاء سبعة ملايين وظيفة بحلول عام 2038 ، على الرغم من أنه من المتوقع أيضًا أن تخلق حوالي 7.2 مليون وظيفة جديدة في البلاد خلال نفس الفترة – في مجالات عدة كالرعاية الصحية والعلوم والتعليم وفقًا لما ورد بتقرير نشرته شركة PwC. وهنا يمكن القول بوضوح أنه سيكون هناك مزيد من الاضطرابات في نموذج الأعمال الحالي وان لهذا تأثير عميق على مشهد التوظيف في العديد من القطاعات في دول العالم، مما يؤدي إلى خلق وإلغاء فرص عمل كبيرة وبصورة متزامنة، وزيادة الإنتاجية المحتملة، واتساع الفجوات بين المهارات الحالية وتلك الأكثر رغبة. و بالنظر إلى العمق المحتمل لهذا الاضطراب التكنولوجي، نرى ان هناك حاجة ملحة للتوصل إلى طرق أكثر فعالية لمساعدة الناس على تطوير مهارات جديدة وخاصة طلاب الجامعات وعلينا ايضا العمل علي وقف فقدان الوظائف. وعلينا تذكر انه خلال الثورات الصناعية السابقة، كثيرًا ما استغرق بناء أنظمة التدريب ومؤسسات سوق العمل عقودًا لتعزيز المهارات الجديدة المطلوبة على نطاق واسع. ولكن للأسف و نظرًا لوتيرة هذه الثورة الصناعية وسرعة تحركها، قد لا يكون من الممكن توافر هذه الفترة المريحة نسبيًا هذه المرة.
من أجل مواجهة هذا التحدي بنجاح ، سيتعين على الشركات الاعتراف بأفرادها والاستثمار فيهم كأصل ثمين، بدلاً من رؤيتهم كعبء محتمل. تكافح دول كثيرة حول العالم من اجل مواجهة هذا التغيير الزلزالي المرتبط بالثورة الصناعية الرابعة ووباء كوفيد-19، مما يخلق آثارًا غير مباشرة كبيرة. وقد أدت فجوات المهارات بالفعل إلى جعل أسواق العمل أقل مرونة قبل ظهور هذا الوباء، بل من المرجح الآن أن تزداد معدلات اضطراب الوظائف سوءًا. وفي الوقت نفسه، لن تتفاقم التحديات التنظيمية والإدارية ذات الصلة إلا بفعل الفجوات المعرفية الناتجة عن ضعف التعليم والتدريب. وتتطلب الحلول الحقيقية أن يتم نشر استراتيجيات استباقية لإدارة المواهب من قبل الشركات، جنبًا إلى جنب مع الحوار العميق والمستمر والتعاون مع الحكومات ومقدمي خدمات التعليم. ويجب إعادة تأهيل مهارات العمال في المجالات التي تواجه تخفيضات كبيرة في الوظائف، وتزويدهم بانتقالات وظيفية قابلة للتطبيق. وأي جهد يهدف إلى سد فجوة المهارات يجب أن يرتكز على فهم قوي لقاعدة المهارات الحالية داخل البلد المعين أو الصناعة معينة – ومتطلباتها المتغيرة. وسيكون التوقع والتحضير لمتطلبات المهارات المستقبلية أمرًا بالغ الأهمية للجميع. يجب علي واضعى السياسات العامة اخذ ذلك بمحمل الجد.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في موضوع خلل سوق الوظائف والطلب علي نوعية جديدة من المهارات في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. القوى العاملة والتوظيف
2. المالية العامة وبرامج الحماية الاجتماعية
3. كوفيد -19
4. موضوع توفير للقاح للحماية
5. الصحة العالمية
6. المساواه بين الجنسين
القضية الخامسة: تسهيل الوصول إلى التكنولوجيا والشمول
Technology access and inclusion
أكدت جائحة كوفيد-19 على الحاجة إلى منح المزيد من الأشخاص القدرة على الاتصال بالإنترنت. يمكن أن يؤدي تزويد الأشخاص بإمكانية وصول أكبر إلى الإنترنت إلى تحسين نوعية حياتهم، من خلال تمكينهم من الاستفادة بسهولة أكبر من الموارد الحكومية والتعليمية – وهو أمر أوضحه بشكل صريح تصريحات العديد من الأطفال الذين يعيشون على الجانب الخطأ من الفجوة الرقمية حيث جعل فيروس كورونا التعلم عن بعد لهم فقط الخيار الوحيد للتواصل مع المدرسة واستكمال عملية التعلم. فأكثر من نصف سكان العالم بقليل (53.6٪) كانوا يستخدمون الإنترنت حتى نهاية عام 2019، وفقًا لإحصائيات الاتحاد الدولي للاتصالات. ومع ذلك، لم يتم تسهيل الوصول الرقمي والاعتماد بشكل متساوٍ ؛ وفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات، فإن 52٪ من النساء ما زلن لا يستخدمن الإنترنت، مقارنة بـ 42٪ من الرجال، و 28.2٪ فقط من سكان إفريقيا كانوا متصلين بالإنترنت – حتى مع تفاخر أوروبا بمعدل انتشار عال للإنترنت فإن النسبة هناك تقع ما بين 82.5٪ و 93٪ للناس يعيشون داخل اوربا. وفيما يتعلق بموضوع الوصول إلى شبكة الجيل الثالث (أو أعلى) فتظهر المزيد من الإحصاءات الواعدة أن النمو خلال السنوات الأخيرة في كل من الاشتراكات الخلوية المتنقلة واشتراكات النطاق العريض المتنقل كانت متزايدة في بلدان آسيا وأفريقيا بشكل ملحوظ. يعد إنشاء مجتمعات رقمية أكثر شمولية أمرًا ضروريًا لتقليل هذه الفجوة الرقمية، ليس فقط من خلال تعزيز القدرة على تحمل التكاليف والوصول العام ولكن أيضًا من خلال زيادة المهارات الرقمية والوعي بين افراد المجتمعات الفقيرة الأولي برعاية الحكومات.
ويجب علبنا ان نعلم ان زيادة الشمول الرقمي يؤدى ايضا إلى تحسين الخدمات العامة ورفع نسب المشاركة. على سبيل المثال، قامت مابوتو، موزمبيق، التي واجهت مشكلة خطيرة في إدارة النفايات الصلبة وحيث يعيش غالبية السكان في مستوطنات عشوائية، بنشر منصة مراقبة تشاركية (اطلق عليهاMOPA ) وشجعت المواطنين على استخدامها للإبلاغ عن قضايا النفايات وتتبعها في محاولة للمساعدة في تحسين تقديم الخدمات. بالإضافة إلى ذلك، من خلال الوصول إلى كميات متزايدة من المحتوى الرقمي، يمكن للناس أن يصبحوا أكثر قدرة على فهم الأنظمة الرقمية التي يعتمد عليها بشكل متزايد والتنقل فيها لتقديم الخدمات المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم والتوظيف والمشاركة المدنية. و يمكن أيضا للمجتمعات الضعيفة كالزيادة الهائلة في أعداد اللاجئين والنازحين داخليًا (فاعتبارًا من يونيو 2019، قدرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن هناك ما يقرب من 26 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم، وأكثر من 41 مليون نازح داخليًا) يمكنهم الاستفادة بشكل خاص من زيادة الشمول الرقمي وتوافر إمكانية الوصول الرقمي بصورة أكبر تساعد هذا المجتمعات من تحديد احتياجاتها بشكل اكثر تحديدا، ومن بينها المجتمعات الريفية والأشخاص ذوي الإعاقة (عبر التقنيات المساعدة مثل برامج التعرف على الصوت) والنساء والفتيات والشباب الذين حرموا تاريخياً من حقوقهم.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في موضوع تسهيل الوصول للتكنولوجيا والشمول في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. المساواة بين الجنسين
2. العدالة الإجتماعية
3. الخطر العالمى
4. حقوق الإنسان
5. الهجرة
القضية السادسة: الابتكار التكنولوجي Technology Innovation
يمكن أن يكون لتقنيات “الأغراض العامة” مثل الذكاء الاصطناعي عواقب وخيمة على المجتمع. بعض الابتكارات – مثل تطوير المستحضرات الصيدلانية الجديدة – لها ارتباط واضح ومباشر بالبحث العلمي الجديد. قد تنتج أنواع أخرى من استخدام التكنولوجيا الحالية بطرق جديدة، أو حتى من التطورات في مجالات غير ذات صلة. ونلاحظ العديد من الشركات التي تقف وراء الاقتصاد التشاركي، على سبيل المثال، هي في الأساس فروع لتقنيات الإنترنت والهاتف المحمول الحالية. في حين أن بعض التقنيات الناشئة مثل الطائرات بدون طيار أو الطباعة ثلاثية الأبعاد قد تخلق أسواقًا جديدة وتعطل الشبكات القائمة. إن الابتكار التقني في شكل ما يسمى بتقنيات “الأغراض العامة” لديه القدرة على تعطيل مجموعات كاملة من الصناعات؛ ومن الأمثلة على ذلك المحرك البخاري، والسيارات، والكمبيوتر، والإنترنت، وربما الذكاء الاصطناعي – وكل ذلك كان له عواقب وخيمة على المجتمع. نظرًا لأن البحث والتطوير أمران أساسيان، فقد حرص صانعو السياسات على التركيز على الطرق التي يمكن بها تحسينها. وتشمل مجالات التركيز المشتركة الأنظمة الوطنية لتمويل الأبحاث، وأنظمة منح البراءات وحمايتها (التي تكون أحيانًا مدعومة من الدولة)، وتحسين ترجمة الأبحاث الجامعية القيمة للقطاع الخاص، والحوافز الضريبية للشركات المبتكرة (مثل الإعفاءات الضريبية للبحث والتطوير.، أو أنظمة ضريبية خاصة للإيرادات المتأتية من الملكية الفكرية). يجب علي متخذ القرار وصانعو السياسة العامة اخذ هذه المبادارات بإهتمام بالغ حتي يمكننا الدفع في موضوع التحول بصورة صحيحة وناجحة.
علي سبيل المثال حاليا يتم دمج العالمين الفيزيائي والبيولوجي جزئيًا بسبب إنشاء مواد جديدة مصممة لمحاكاة العالم البيولوجي. إن الاكتشاف ذي الصلة لفئات جديدة من البوليمرات القابلة لإعادة التدوير والمصلدة بالحرارة (البلاستيك) تسمى polyhexahydrotriazines وهي خطوة رئيسية نحو اقتصاد أكثر استدامة. يتم الآن استخدام المواد الجديدة بشكل روتيني في عمليات الزرع الطبى وهندسة الأنسجة وإنشاء أعضاء اصطناعية – ويتم استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد بشكل متزايد لإنشاء هياكل مخصصة. ويتداخل العالمان البيولوجي والرقمي بشكل أكثر إثارة للجدل في عالم الهندسة الوراثية. كما تتيح أنظمة تسلسل وتحرير الجينات التي يمكن الوصول إليها على نطاق واسع وبأسعار معقولة ، مثل CRISPR / Cas9 ، إمكانية إزالة أو استبدال التسلسلات في جينومات كل من النباتات والحيوانات بشكل موثوق ودقيق. يتداخل العالمان البيولوجي والرقمي أيضًا في شكل أجهزة استشعار تستخدم لمراقبة الصحة والسلوك، وفهم نشاط الدماغ والتأثير عليه. والتطورات التي ربما كانت تقتصر في السابق على الأنظمة الرقمية، مثل تطبيق التشفير على تقنية blockchain لإنشاء سجلات قابلة للبرمجة وآمنة وموزعة، أصبح لها الآن تأثير في العالم الحقيقي – من حيث إدارة سجلات الأراضي، على سبيل المثال ، أو تتبع إزالة الغابات. فأين نحن من هذه التحولات التي تمم حول العالم وما هو النظام التعليمي الذي يسمح بتحقيق ذلك!!.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في موضوع الإبتكار التكنولوجى في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. الاقتصاد الدائري
2. أمن البيئة والموارد الطبيعية
3. الطباعة ثلاثية الأبعاد
4. تحصيل الضرائب
5. البلاستيك والبيئة
6. ريادة الأعمال
7. صفقات الخضراء الجديدة
8. العلوم
9. الطائرات بدون طيار
القضية السابعة والأخيرة: موضوع التقنيات الحدودية Frontier technologies
سواء كان التركيز على علم الأحياء الكمى أو الذكاء الاصطناعي، يجب أن تساهم مثل هذه التطورات الحديثة في حل أكبر التحديات التي تواجه البشرية. قد تكون التقنيات التي تساعدنا على الدخول في مجالات لم يتم استكشافها بعد من علم الأحياء والطاقة والحوسبة والذكاء ضرورية لإعادة ضبط الاقتصاد العالمي بشكل صحي في أعقاب جائحة كورونا. سواء كان ذلك من خلال الجهود المبذولة لفهم كيف تلعب فيزياء الكم دورًا في الطاقة الطبيعية والوعي البشري (بيولوجيا الكم)، أو تطوير الذكاء الاصطناعي الذي لا يتطلب بيانات تدريب مفرطة من شأنها الحث علي التحيز البشري، أو حتى دراسة الأمراض والاضطرابات من خلال فهم كيمياء السم (السموم)، ويمكن أن تستفيد عملية إعادة الضبط الكبرى بعد الوباء بشكل كبير من استكشاف هذه النوعية من التكنولوجيا في أبعد حدودها. لا يمكن لهذه المساعي أن تساعد فقط في إعادة البناء بطرق تؤكد الاستدامة وتحسن الصحة البشرية والبيئية على حد سواء، ولكن أيضًا إنشاء قدر أكبر من المرونة في توقع الأزمات المستقبلية – من خلال تعزيز الخدمات الحكومية، وتمكين البنية التحتية الأكثر كفاءة بما في ذلك النقل العام وأنظمة الطاقة المستدامة، والتوسع في الفرص التعليمية، وتعزيز الطرق المتبعةفي الشركات لتطوير الخدمات لعملائها بحيث تخلق قيمة حقيقية ودائمة.
سوف تتطلب التقنيات الرائدة قوانين وقواعد تنظيمية ورقابة دقيقة ومدروسة، إذا كان لها أن تساهم في الصالح العام. إن احترام كرامة الإنسان والجهود المتضافرة لخلق منافع شاملة يمكن تحقيقها لأي شخص بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون، والمحاولات المشروعة لبناء الثقة يجب أن تدفع أي تطوير تكنولوجي أو جهد تنظيمي حيث تشكل بعض التقنيات الرائدة الآن في الأفق تهديدات خطيرة. يثير التنميط الظاهري الرقمي، أو استخدام أنظمة الكمبيوتر لتوصيف الصحة الجسدية أو العقلية لشخص ما، على سبيل المثال، مشكلات خاصة و مهمة فقد يتعرض لأثار سوء الاستخدام. وفي الوقت نفسه، فإن استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالنشاط الإجرامي يثير العديد من الأعلام الحمراء المتعلقة بالتحيز الثقافي والعرقي، والانتشار المتوقع للأسلحة الفتاكة المستقلة يتطلب جهودًا استباقية لربطها بمستوى معين من الضمانات الوقائية. ولذا يجب أن نتخذ خطوات استباقية لضمان ألا يؤدي اعتماد أي تقنية – سواء كانت طباعة ثلاثية الأبعاد أو أقمار صناعية – إلى إساءة استخدام السلطة، وغرس العنصرية الممنهجة وتفاقمها، وتوسيع التفاوتات في الثروة، وسرقة سبلل العيش.
وتكمن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة في موضوع التقنيات الحدودية في عدد من التطبيقات والممارسات الهامة والتي يجب علي الباحثين وصانعي السياسات دراستها بإهتمام و تشمل:-
1. الطب الدقيق
2. التكنولوجيا الحيوية
3. الاحصاء الكمية
4. التصنيع والإنتاج المتقدم
5. الواقع الافتراضي والواقع المعزز
6. مستقبل الحوسبة
7. المواد متطورة
الخلاصة:
نتج عن الثورة الصناعية الرابعة عدد من االقضايا الجوهرية و التي يجب ان يهتم بها صانعو السياسة العامة والتي تستلزم توافر إرادة قوية تستند الي المعلومات والدراسة والتحليل المتأنى لإعادة تأهيل الصف حتي نستوعب كنخبة أولا ماذا حدث وكيف حدث ولماذا حدث وما هى الأثار الناجمة عن هذه الثورة الصناعية الجديدة والتي غيرت الفكر الإدارى والإقتصادى بالكامل. وبات علينا كعامة ضرورة دراسة الأمر بشيء من الدقة والضبط الذاتي وحساب تاثيراته العامة واتخاذ مايلزم من إجراءات لتعديل المسار. فالثورة الصناعية الرابعة لها تأثير علي مفهوم الأخلاق والأمانة، والعمل علي حوكمة التكنولوجيا المرنة خفيفة الحركة، وحماية خصوصية المعلومات وبناء جسور الثقة الإلكترونية، ومعالجة الخلل في سوق الوظائف ومقابلة الطلب المتزايد علي مهارات جديدة لا يوفرها نظام التعليم والتدريب المتاح الآن بصورة واضحة، مع ضرورة اتاحة التكنولوجيا للفئات الفقيرة والمهمشة وتحقيق الشمول، والعمل علي تشجيع الإبتكار التكنولوجي، ومعالجة موضوع التقنيات الحدودية أو التي لا تنتمي لمجال واحد محدد وقاطع. ان الأمر لم يعد سهلا وبات لزاما علينا بدء التحرك بصورة مدروسة للإنتقال بصورة عاجلة لإستيعاب اثار هذه الثورة الصناعية بشكل يسمح بنجاح مؤسساتنا الحكومية والخاصة وذلك من خلال سياسات عامة واضحة، وموارد مخصصة لهذا الغرض وخلق نظم تعليم وتدريب تلبى متطلبات هذا التحول الجذري.
خالص تحياتي
أ.د جمال شحاتة
عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي