أنا ابنكما الصغير لا تأتيا بي إلى الدنيا ثم تتركانى دون توجيه حقيقي، لا تأتيا بي إلى الدنيا ثم تجعلاني طرفًا في صراعاتكما ونزاعاتكما، لا تأتيا بي إلى الدنيا ثم تتركاني لمقاساة الصح والخطأ وتخمينه بمفردي، فأنا لازلت طفل صغير عقلي ليس مثل عقلكما، وتفكيري ليس مثل تفكيركما، ليس من المفترض بي أنا أن أفهكما وأصعد إلى مستوى تفكيركما ولكن أنتما من ينبغي أن تهبطا إلى.
نعم إنكما من ينبغي أن يهبط إلى لأنني لن أكبر فجأة لكى أقيم مستوى تفكيركما ولكنكما من تستطيعا أن تهبطا إلى عقلي الصغير وتعملا على فهم تفكيري، أمي وأبي الأعزاء إنني أحتاج منكما الدعم والرعاية، أحتاج منكما أن تتفهما أننى بحاجة ماسة إلى التوجيه والرعاية، بحاجة إلى ألا تسخرا من أخطائي الصغيرة، وألا تسخرا من شكلي وجسدي، أحتاج منكما أن تتقبلا أخطائي الصغيرة وتعثراتي وضعفي فأنا لم أُولد بعقل الناضجين كى تعاملاني على أني ناضج.
أحتاج منكما ألا تقارناني بغيري من إخوتي أو الأطفال الآخرين فقد خلقني الله متفردًا في قدراتي وصفاتي وتكويني، أبي وأمي الأعزاء إن المقارنة ليست في صالحي بأى حال من الأحوال بل إنها تقتلني وتعطيني فكرة ليست جيدة عن نفسي ومن المفترض أن تنميا الثقة فيها، أبي وأمي الأعزاء، إنني بحاجة ماسة إلى أن أشعر بحبكما ودعمكما لي، أحتاج إلى دفء أحضانكما دائمًا الذي سيحميني من ويلات كثيرة مستقبلية، ويجعلني إنسان سوي نفسيًا.
أبي وأمي الأعزاء، أحتاج حينما أقول لكما (يا أبي انظر إلى، يا أمي انظري إلى، أن تنظرا إلى)، أحتاج منكما أن تشاركاني أشيائي الصغيرة وأنشطتي، أحتاج منكما أن تكتشفا نقاط تميزي وموهبتي وأن تعيناني على تنميتها، أحتاج منكما ألا تقللا من شأني وألا تسمحا لأحد بأن يقلل من شأني وبخاصة معلميني .
أحتاج منكما أن تمنعا عني الإيذاء البدني والنفسي وأن تعاملاني على أني إنسان، أبي وأمي الأعزاء أحتاج منكما أن تبقياني بعيدًا عن خلافاتكما ونزاعاتكما الدائمة، فشجاركما وصوتكما العالي يتسببا في تشويه نفسيتي وفطرتي ونظرتي للحياة، يتسببا في توليد شعور عدم الأمان عندي ويؤثر ذلك على مستقبل حياتي وتكويني لعائلتي ويجعلني أنقل تلك العقد إليهم لأن هذه هى المعاملة التي تعلمتها منكما.
أبي وأمي الأعزاء قوما بتعريفي أمور ديني منذ صغري ولا تتركاني دون توجيه لا أعرف شيئًا حقيقيًا عن ربي، أبي وأمي الأعزاء إنني أمانة قد استودعها الله لديكما لكى تقوما برعايتي ولست ملكًا لكما أو مشروع مؤجل لأحلامكما التي لم تتحقق، إنني إنسان لي كياني الخاص ولي بصمتي ومن حقي أن أكون نفسي تبعًا لقدراتي وأحلامي الخاصة، وليس تحقيقًا لأحلامكما.
أبي وأمي الأعزاء لا تقولا لي يومًا بأنني لست ابنكما أو أنكما قد وجدتماني في الشارع، لأن ذلك يعطيني شعورًا أن وجودي ذنب وأنني لا أستحق الحياة، أبي وأمي الأعزاء إن مراعاتكما للنقاط السابقة، ومراعاتكما لي يعطيني شعورًا بأنني أفضل إنسان في نفسي ويساعدني على تقدير ذاتي التقدير الذي تستحقه وغير ذلك يجعلني أكره نفسي ويجعلني أكره وجودي، يجعلني أحتقر نفسي ويصنع مني مشروع مريض نفسي مستقبلًا، يجعلني أكره الحياة وأنني قد أصبحت على قيدها، لذا أرجوكما ساعداني على أن أًصبح أفضل نسخة من نفسي وأن أحبها وأقدرها وأتقبلها ببشريتها وضعفها، فأنتما مصدر التقبل الأول في حياتي.
وبعد فهذا نموذج بسيط من لسان حال الكثير من الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، والآباء والأمهات بحسن نية أو على سبيل التربية قد يقعا في الأخطاء التربوية السابقة التي هى في حقيقتها أخطاء قاتلة؛ لذا وجب التنويه ولفت النظر إلى تلك المباديء الأولية في التربية والتي هى بحر عميق يحتاج كل مربي فيها وقائم على نفس بشرية أن يعيها ويتقنها.

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي