تصدر الجزء الثاني من فيلم (المرتزقة) “Expendables 2” إيرادات السينما في أمريكا الشمالية محققا 28.8 مليون دولار .وهوأحد أفلام المرتزقة ،الخطرالتاريخى المخيف، نراه ويجذب إنتباهنا ونستمتع بمشاهدته. لكنك لابدأن تعى أن هذا سم فى العسل.
“المرتزقة”هم جنود مستأجرون ليحاربوا من أجل دولة أخرى غير دولهم، بهدف تلبية مصالحهم الخاصة بهم، بمقابل مادي، بغض النظر عن المصالح السياسية أو الإنسانية أو الأخلاقية. واتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949هي أول اتفاقية دولية تتناول بالتحديد موضوع المرتزقة.
ويقف المفكر السياسي الإيطالي نيقولا ميكافيللي أيضاً موقفاً سلبياً من المرتزقة ، إذ أنهم في نظره عبء على الجيش وخطر على السلطة، وإن اعتمد حاكم عليهم فإنه سيظل مؤرقاً وقلقاً على سلطانه، لأن المرتزقة لا يعرفون التوحد خلف فكرة أو قائد، ولا يحفظون العهود والمواثيق، ولا يخشون الله، ولا يرعون الذمم مع غيرهم، وبينهم من يمتد طموحه إلى أبعد من الدور الذي رسم له وجيء به من أجله، وأغلبهم جبناء أمام العدو وإن تظاهروا بالشجاعة أمام من يدفع لهم.
وعام 1989، اعتمدت الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، حيث اعتبرت أن كل مرتزق وكل من يجند أو يستخدم أو يمول المرتزقة مجرم، كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، إذ لا يتمتع المرتزق بوضع المقاتل أو أسير الحرب.
ولا توجد أدنى صلة بين المحارب والمرتزق، فالأول يقاتل من أجل قضية عظيمة، والثاني يشارك في المعارك من أجل منفعة مادية. المرتزق فيبدل ولاءه حسب مصلحته. ولهذا فإن مختلف تعريفات المحارب أو المناضل تتفق على إيجابيته وطهر مسلكه، وتحمل قدراً جلياً من تشجيع الناس على أن يحذوا حذوه. أما الارتزاق فيحمل صورة سلبية على الدوام، سواء في المعاجم اللغوية أو القواميس العلمية المتخصصة، أو عند مختلف المفكرين والمؤرخين والفلاسفة وخبراء الاستراتيجية الحديثة.
وعرف التاريخ ظهور المرتزقة بشكل موثق في مصر القديمة تقريبًا عام 2500 ق.م. ووصفهم المصريون القدماء على أنهم مجموعة من الآسيويين يتجولون في بلاد الشام بحثًا عن الرزق في أي مصلحة كانت، شأنهم في ذلك شأن العبرانيين.وعُرفوا بالنهب والقتل والسرقة.
وفى عام 1288 ق. م، استخدمهم رمسيس الثاني في معركة “قادش” ضد الحيثيين، وكان لأدائهم المُتقن في هذه المعركة السبب في استجلاب الفراعنة المرتزقة إلى صفوف الجيش المصري من أماكن كثيرة، لا سيما بلاد الإغريق وما حولها.
يُعرف الحرس السويسري اليوم بأنهم حماة البابا ذي الزي الرسمي في الفاتيكان، لكن تاريخهم يمتد إلى عصابات من المرتزقة التي ازدهرت خلال عصر النهضة. وكانت شركة White Company The تعمل لمن يدفع لهم أجرًا أعلى، فقد قاتلوا من أجل البابا، ثم حاربوا ضده، وحاربوا لأجل مدينة ميلانو ثم لمدينة فلورنسا، وكانوا معروفين بأنهم يقومون بشن غارات على القرى والبلدات القريبة، وينهبون أهلها.
وتوسع الرومان في تجنيد العاطلين عن العمل واستقطاب الراغبين في تأجير جهدهم ورغبتهم في القتال حتى أصبحت لديهم جيوشا كاملة من المرتزقة، وظفوها في دحر أعدائهم، وتوسيع أرجاء إمبراطوريتهم. وقد كافأ الرومان المرتزقة على جهدهم هذا بسن قانون يسمح بمنح الجنسية الرومانية لكل غريب يرتدي البزة العسكرية وينخرط في صفوف جيوشهم.
واليوم بات الليبيون غرباء في بلادهم، وأصبح المرتزقة ينصبون الحواجز ويفتشونهم ويعتقلونهم، وأضحت مليشيات ما يسمى بحكومة الوفاق غير الشرعية في طرابلس تتلقى الأوامر العسكرية مباشرة من هؤلاء المرتزقة.
ووفق مصادر مطلعة، فإن انشقاقات حصلت مؤخرا في صفوف مليشيات طرابلس، وانضمت إلى الجيش الوطني، بعد إدراكهم أن الأمور تسير إلى الأسوأ منذ التدخل التركي بالبلاد، خصوصا منذ حادثة القبض على ضباط في دورية شرطة طرابلس قبل أسبوعين، واحتجازهم والتحقيق معهم على أيدي سوريين بطرق مهينة.
إهانات يتلقاها الضباط الليبيون في بلادهم أجبرتهم على رفع شكاوى إلى المجلس الرئاسي، غير أن الصمت المريب للسراج وحاشيته، ضاعف من الاستياء، ويبدو أن الأمور تتجه نحو منعطف كارثي بالنسبة للمليشيات الإخوانية، في ظل أنباء تتحدث عن حدوث مناوشات، قبل يومين، بين ضباط ليبيين ومرتزقة تابعين لأردوغان كادت أن تتحول إلى قتال بالأسلحة.
ومما فاقم سوء الوضع، دخول قبائل ليبية على الخط، معلنة رفضها للوجود التركي في طرابلس، ما شجع الكثير من الضباط على الفرار والانضمام إلى الجيش الوطني، بعدما تأكدوا من أن أنقرة لا تريد سوى الخراب والفوضى وتحقيق مآربها الخاصة على حساب الليبيين. والأخطر برأي الليبيين هو إستمار التدخل التركي، وإستمرار تدفق الأسلحة التركية على ليبيا بمرأى من المجتمع الدولي، رغم وجود حظر دولي على توريد الأسلحة إلى هذا البلد منذ 2011. وتحول الإمكانيات الضعيفة والحصار الذي تعيشه الأجهزة الأمنية في طرابلس دون التمرد وإتخاذ موقف صارم من ممارسات السراج.
ففي 2018، حاول المدّعي العام العسكري السابق المستشار مسعود رحومة، فتح ملفّ يخص ارتباط شخصيات محسوبة على المجلس الرئاسي بالإرهاب، إلا أن محاولته تلك كلفته اختطافه من قبل مليشيات، في رسالة تهديد واضحة لكل من تسول له نفسه التفكير في مجرد التطرق للموضوع.
وحتى بعد أن وضعت الحروب أوزارها وعم السلم أوروبا سنوات طويلة لم يعان المرتزقة من البطالة، إذ استأجرهم بعض القادة والساسة، وشكلوا منهم جيوشاً، استعملوها في السطو والسلب والنهب وبث الرعب في نفوس الرعية.
وتوحش المرتزقة في أوروبا إلى درجة أن فكر الحكام في عملية حربية كبيرة وواسعة تساعد في التخلص منهم، فكان قرار شن حرب “الفرنجة” التي يطلق عليها الغرب “الحروب الصليبية” والذي صادف غريزة المرتزقة النهمة إلى حصد الغنائم. وتعاونت الكنيسة مع هؤلاء الجند المأجورين على أوسع نطاق، حتى أن الحملة “الصليبية” الثانية وما بعدها اعتمدت أساسا على المرتزقة وبعض الرهبان. فلما أخفقت هذه الحملات الاستعمارية عادت أوروبا إلى سابق عهدها من المعاناة لتزايد سطوة المرتزقة، ولاسيما أن بعض الملوك استعملوهم في قهر شعوبهم، وفرض الأمن، وقمع المعارضين للسلطة، والمتذمرين منها.
ولما ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى على المسرح الدولي سارت على الدرب نفسه، فاعتمدت على مرتزقة في حرب فيتنام، من بينهم طيارين تابعون لشركة “إير أمريكا” كلفوا بتنفيذ هجمات استفزازية ضد مواقع في فيتنام الشمالية، ثم تم استعمال مرتزقة من الآسيويين لضرب أهداف هناك بدءا من 30 يوليو عام 1964، بغية استدراج الفيتناميين الشماليين إلى حرب واسعة النطاق، وهو ما تحقق بالفعل. وقد ظل المرتزقة يقاتلون إلى جانب القوات الأمريكية حتى انتهت المعارك بهزيمتها النكراء عام 1975.
وينتمي المرتزقة عبر التاريخ إلى المهمشين من البشر، سواء كانوا فقراء معدمين أو لقطاء أو محاربين نظاميين مسرحين من الخدمة العسكرية. وتسيطر على المرتزقة روح الانتهازية والأنانية المفرطة والتعطش الدائم إلى الدم.
وأحيرا ينصح ابن خلدون الحكام والسلاطين ألا يعتمدوا على المرتزقة في تثبيت أركان سلطانهم، وأن يوفروا الأموال الطائلة التي ينفقونها عليهم، لأنهم مهما أجزلوا العطاء لهم فإنهم ليس بوسعهم أن يضمنوا ولاءهم، وسيظل ملكهم مهدداً طالما كان يحتمي في سيوف المرتزقة ورماحهم.

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي