تمثل قضية تحقيق العدالة الاجتماعية القضية الجوهرية فى الضمير الجمعي لأى مجتمع من المجتمعات الإنسانية في القرن الحالي، وعلى الرغم من ذلك مازالت هناك فئات كثيرة من البشر تعانى من التهميش، وغالباً ما تتفاقم آثار هذا التهميش بسبب أعراف اجتماعية بالية أو حواجز مجتمعية مستفزة ، الأمر الذى يجعل هذه الفئات غير قادرة على بناء قواعد من الصمود النفسى فى مواجهة الأزمات الشخصية والاجتماعية ، ومن بين تلك الفئات ذوى الإعاقة ؛ حيث إنهم ما زالوا يواجهون فى كثير من المجتمعات أشكالاً متعددة من الإقصاء بسبب المستوى الاجتماعي الاقتصادي الذى ينتمون إليه أو نوع الإعاقة التى يعانون منها.
وتُعرف الإعاقة بأنها ضعف فى أداء الشخص لدوره الطبيعى فى الحياة بسبب عوامل جينية تظهر منذ ميلاده وتؤثر سلبًا على وظائفه الفسيولوجية أو النفسية ، أو بسبب حادث أو مرض يتعرض له فى وقت لاحق من حياته ، وتظهر الإعاقة بسبب التفاعل بين الشخص المصاب والبيئة المحيطة ، حيث تمنعه هذه البيئة من المشاركة الفعالة فى أنشطة المجتمع أسوة بأقرانه من الأفراد الطبيعيين، والتمييز ضده من خلال التركيز على إبراز جوانب القصور عنده أكثر من التركيز على جوانب القوة لديه، ونعته مرة بالعاجز ومرة بالمقعد ومرة بذوى العاهة، ووصمه بالعجز ، الأمر الذى ينعكس على نظرة المجتمع إليه، ونظرته إلى نفسه، على أنه أقل تميزًا من غيره ، ومن ثم الإحساس بمشاعر النقص والدونية.
وفى إطار هذا الفهم تشكل الإطار الفكري الذى ظلت كثير من المجتمعات على امتداد عدة قرون تتعامل من خلاله مع ذوي الإعاقات باعتبارهم أشخاص غير قادرين على إعالة أنفسهم ويستحقون المساعدة والإحسان من بقية أفراد المجتمع، ومن ثم ظلت كثير من المجتمعات تركز بالدرجة الأولى على الإعاقة وتأثيرها على وظائف الشخص مع عدم الاعتراف بأحقيته فى المشاركة فى الحياة السياسية والاقتصادية والمهنية وغيرها.
وإذا نظرنا إلى قضية العدالة من منظور الحقوق والواجبات نجد أن كثيرًا من الإعاقات لا تكون متأصلة فى جينات الشخص المعاق وغالبًا ما تكون من صنع المجتمع ، ومن ثم فالعدالة تقتضى في مثل هذه الحالات أن يعمل المجتمع على تمكين هذا المعاق من المشاركة الفاعلة فى جميع جوانب الحياة المجتمعية ؛ هذا بالإضافةإلى أن هناك نوعين من الحقوق: الأول يتعلق بالحقوق العامة التي تمنح للأصحاء بدنياً وذهنياً القادرون على الاختيار والتمييز والمطالبة بحقوقهم، والآخر يتعلق بحقوق التلقى التي تمنح لمن ليس لديهم القدرة على المطالبة بحقوقهم ومنهم المعاقين والأطفال والسجناء ومن هم على شاكلتهم.
وفى إطار قضية العدالة الاجتماعية وتعليم ذوى الإعاقة ، هناك اتجاهان لتعليم وتمكين ذوى الإعاقة: الأول هو اتجاه العزل؛ بمعنى عزل التلاميذ ذوى الإعاقة عن أقرانهم العاديين أثناء اليوم الدراسى، أو الحاقهم بمدراس أو بفصول خاصة بهم ، على أن يقوم بتعليمهم معلمون يتم إعدادهم خصيصاً لهذا الغرض ، يطبقون استراتيجيات تدريس معينة، ويستعينون في تنفيذها بأجهزة محددة فى ضوء نوعية الإعاقة الخاصة بكل تلميذ ، أما الاتجاه الآخر فهو اتجاه الدمج ؛ بمعنى تعليم ذوى الإعاقة مع أقرانهم العاديين بهدف دمجهم فى المجتمع من منطلق شعار ” المساواة والمشاركة الكاملة ” الذى أطلق فى العام الدولى للمعاقين سنة 1981، وكذلك من منطلق مبدأ تربوى يقضى بأن توفير أساليب الرعاية التربوية للتلاميذ ذوى الإعاقة مع أقرانهم العاديين يتيح لهم فرص أكبر للتطبيع والمشاركة ، وأنه كلما قضى هؤلاء التلاميذ وقتاً أطول مع أقرانهم الأصحاء فى غرف الدراسة زاد تحصيلهم ونموهم العقلى والنفسى والمهنى.
وبالطبع هناك أساليب متعددة للدمج بين التلاميذ ذوى الإعاقة وأقرانهم العاديين تتحدد طبقاً لنوع الإعاقة ودرجتها والإمكانات المتاحة، وانطلاقاً من هذا الاتجاه العالمى نحو دمج التلاميذ ذوى الإعاقة مع أقرانهم من التلاميذ العاديين اتخذت وزارة التربية والتعليم المصرية إجراءات جادة فى هذا الاتجاه؛ حيث تم دمج حوالى 5000 تلميذ معاق حتى عام 2016، ثم ارتفع هذا العدد إلى حوالى 36000 في عام 2016وقت أن كنت أتولي حقيبة وزارة التربية والتعليم ،كما صدر قرار وزارى بدمج التلاميذ ذوى الإعاقة فى التعليم الفني في عام 2016أيضًا. ولكن تظل المشكلة الجوهرية فى تعليم ذوى الإعاقة سواءًا من خلال الدمج أو العزل تتمثل فى تنوع الإعاقات وتعددها بين الأفراد ولدى الفرد الواحد فى بعض الأحيان، الأمر الذى يترتب عليه صعوبة بالغة فى توفير المعلمين المؤهلين والأجهزة المطلوبة للتعامل مع هذه الإعاقات المتعددة وخاصة عندما تكون عند الفرد الواحد كأن يكون مثلاً لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى.
وهناك اتجاهان أيضًا لتأهيل ذوى الإعاقة: الأول يتم من خلال مؤسسات مركزية يتم تزويدها بالإمكانات المادية والبشرية التي لا تتوافر فى المجتمعات المحلية لتأهيل ذوى الإعاقة ، وهذا يعنى ضرورة ذهاب المعاق إلى مكان التأهيل لكى يحصل على الخدمة ، أما الاتجاه الآخر فيركز على تأهيل ذوى الإعاقة فى إطار المجتمع المحلى من خلال ما يتوافر لديه من إمكانات يمكن أن تلبى احتياجاتهم الضرورية ، وتستفيد من قدراتهم الجسدية والعقلية ، وتتكون مصفوفة تأهيل ذوى الإعاقة المرتكز على المجتمع المحلى من خمسة مكونات تشمل الصحة، والتعليم، وكسب العيش، والمكون الاجتماعي، والتمكين، ويمكن تنفيذ هذه المصفوفة من خلال تنفيذ برنامج شامل للتأهيل الطبي، والنفسي، والاجتماعي، والمهني، والتعليمى والتأكيد على اندماجهم الفعلى فى المجتمع، والحد من الفقر باعتباره محدد رئيس للإعاقة ونتيجة لها.
والواقع أننا فى ضوء ما تقدم يجب أن نتناول قضية العدالة الاجتماعية في التعليم والتأهيل من منظور تنموى يقوم على أساس من تحقيق العدالة بين جميع المواطنين دون تمييز ؛ حيث إن تعليم ذوى الإعاقات يعزز مشاركاتهم في الأنشطة الاجتماعية المختلفة، وينمى إحساسهم بكرامتهم وتقديرهم لذواتهم ، ومن ثم تطوير شخصياتهم وبناء قدراتهم ولا سيما الفتيات منهم، كما يجب أن ننطلق أيضًا من قناعة مؤداها أن الأشخاص ذوى الإعاقات لهم الحق في الحصول على خدمات صحية تفى باحتياجاتهم من الرعاية الصحية مثل أقرانهم من الأشخاص العاديين بصرف النظر عن نوع الإعاقة أو السن أو النوع أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وفى هذا السياق يجب أن يسعى المجتمع بصفة عامة والمجتمعات المحلية بصفة خاصة لإكساب ذوى الإعاقة المهارات التي تمكنهم من الخروج من دائرة الفقر وتمكينهم من المشاركة بفعالية في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في المجتمع ، ومن ثم المساهمة في تكوين قدراتهم الذاتية المتمثلة في اتخاذ القرارات الشخصية ، الأمر الذى يضعهم محل تقدير من قبل المجتمع كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات ومساهمين فاعليين بدلاً من متلقيين سلبيين.
ولكى يتحقق كل ذلك لابد من التوسع فى برامج التأهيل التى تركز على دمج ذوى الإعاقة فى سن المدرسة، وإعطاء أولوية للمتسربين من الدراسة، وللمتأخرين دراسياً ، وكذلك إعطاء أهمية خاصة لذوى الإعاقات المتعددة فى منازلهم وذلك بتخصيص معلم منزل لكل ثلاثة إلى خمسة أطفال من ذوى الإعاقات المعقدة والمتعددة الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة ، تكون مهمته إلى جانب التدريس تدريب الطفل ووالديه على المعالجات الأساسية والمهارات المعيشية اليومية عند الحاجة ، وكذلك تكييف الموارد المحلية، وإشراك مؤسسات تأهيل ذوى الإعاقة فى التدريب والتدريس لكوادر التأهيل، وتمكين ذوى الإعاقة سياسياً وثقافياً واقتصاديًا عن طريق السماح لهم بتولى مراكزِ القيادة فى التخطيط والتحكم بأمور حياتهم ، وفى جميع مستويات صنع القرارات التى تخصهم وتنفيذها ، تطبيقاً للشعار الدولى القائل: ” لا شئ يخصنا من دوننا “.

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي