أبريل 26, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

معترك السياسة وبيع الذمم “الحـــرب الناعــمة” بقلــــم الأديب المصـــرى د. طــارق رضـــوان

واحذر مؤاخــــاة الدنيء لأنه *** يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخراً *** إن القرين إلى المقارن يُنســب
على كل عظيم أن يحرص على صحبة الصالحين و العظماء و مخالطتهم. فعليه أن يبحث عنهم و ينقب عنهم حتى يعثر على أحدهم فيلتزمه. فليس هناك من قائد سىء او حاكم يرغب فى حصاد كراهية شعبه لكنها الصحبة والبطانة يا سادة.فإذا صلحت البطانه صلحت أمور العباد والمجتمع.لذلك النصيحة الأولى والوحيدة لمن يريد القيادة وتحمل مسئولية عباد اللهأن يتحرى القائد صغيراً أو كبيراً عن بطانته ورفقاء دربه ومعاونيه. وما بعد قول الله قول : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ). ويقول الحبيب المصطفى ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ). وقال أيضا وهو لا ينطق عن الهوى( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يهديك, وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد ريحا خبيثة). ألا يفسد اللماء والهواء بجانب الجيف؟! وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : مِنْ خَيْرِ الِاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ ، وَمِنْ شَرِّ الِاخْتِيَارِ مَوَدَّةُ الْأَشْرَارِ .
ولأن العمل القيادى عمل جماعى فلا يمكن لأى قائد مهما بلغت قدراته وإمكانياته النجاح بمفرده.فلا يمكنه أن يستغنى عن فريق عمله ويعمل دونهم. كما لا يحق له أن ينكر فضلهم وفضل مساعدتهم له فى نجاحه إذا ما صلحوا وأحسنوا النصح له. فالقيادة عمل جماعى على قلب رجل واحد.ولذا يقول الشاعر :
و مـــا الـــمرء إلا بأخـــوانه كما يقبض الكف بالمعصم
و لا خير في الكف مقطوعة و لا خير في الساعد الأجذم
ولكن هب أنك فى موقع القائد فكيف يتسنى لك إختيار رجالك وفريق عملك المخلصين؟
كان أبو سعيد الثوري يقول: إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك، فإن قال خيراً وكتم سرك فاصحبه.
وقال غيره: لا تؤاخين أحداً حتى تبلوه وتفشي إليه سرّاً، ثم إجفه واستغضبه وانظر، فإن أفشاه عليك فأجتنبه، وقيل لأبي يزيد: من أصحب من الناس قال: من يعلم منك ما يعلم اللّه عزّ وجلّ، ويستر عليك ما يستر اللّه تعالى،وكان ذو النون يقول: لا خير لك في صحبة من لا يحب أنْ يراك إلاّ معصوماً.
أبل الرجال إذا أردت إخاءهم … وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا وجدت أخا الأمانة والتقى … فبه اليدين قرير عين فاشدد
قيل لحكيم: ما الصديق؟ قال: إنسان هو أنت إلا انه غيرك.
ونحن الأن بصدد موسم إنتخابات برلمانية بمصر. وبالطبع هناك أحزاب سياسية متعددة.وهذا ليس بسىء بل هو عامل جيد إذا ما تعودنا تقبل الأخروراجعنا ما فقدناه من قيم ومعتقدات دينية بصدد ثقافة الإختلاف. كل منا يرى الاشياء من وجهه نظرة و سابق خبرته و ادراكك للشئ ليس هو الشئ و أنما هو صورته من الجهه التى تنظر منها, بينما أخيك ينظر من الجهه الاخرى فتتكون من رؤيتككما صورة مجثمة , فالاعتقاد لا يشترط الصحة فليس ما تعتقدة هو الصحة المطلقة. ولنا فى أنبياء الله أُسوة حسنة، يقول الله عزوجل ” وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا”.
لكن من البداية من أين يأتى الإختلاف؟
لماذا تجد الناس يتصرفون تصرفات مختلفة ؟؟ احدهما يقبل الرشوه و الاخر لا , أحدهم يهمل العمل و الاخر يتقنه؟ يتصرف الانسان وفق ما استقر في نفسه من قيم . وتتكون القيم من مؤثرات تحدث لدي الفرد انتباة فيتولد لديه اهتمام يتحول الى قيم . سلوك الانسان يتغير حسب ما يستقر داخلة من مشاعر و افكار متكونه من القيم. هناك من يرى السعادة في المال. وهناك من لدية قيم ان الاغنياء تعساء و انه اذا اصبح غنيا فسيخسر السعادة. هناك من يرى ان التعامل مع السافل يكون بالنزول الى مستواه و هناك من يرى العكس.وهناك من تكونت لدية قيمة الاعتماد على النفس و هناك من تكونت عنده قيمة الاعتماد على الغير.
فلماذا ذاع صيت شيخ البرلمانيين الحاج سيد جلال؟ومن هو سيد جلال كمثال يحتذىى به لمن أراد العمل السياسى؟ هو أحد أبناء منفلوط ، ظل 40 عاما في البرلمان عضواً بمجلس النواب في عهد الحكومة السعيدية قبل الثورة ومجلس الأمة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عن باب الشعرية له مواقف كثيرة في الخير والبر في المستشفيات والمعاهد وأوجه الخير منها مستشفي حكومي باسمه. و كان صديقا شخصيا للشيخ الشعراوي رحمه الله. وهذاما ذكرته عن الصحبة الصالحة.
ويقول عبد الفتاح الديب في حديثه عن الذكريات البرلمانية التي نشرها بمجلة مجلس الشعب في مارس 1995م ما نصه – في تاريخ المجلس التشريعي شخصيات برلمانية لا تنسي سواء بالنسبة لمواقفها أو لتاريخها أو لسماتها وهي نعمة من الله يعطيها لمن يشاء ويكتب معها القبول لدي الناس ومن هؤلاء الرواد التاريخيين نائب ظل نائباً طوال عمره وترك بصمة لا تمحي في سجل المجلس التشريعي وهو النائب سيد جلال نائب.
كان السيد جلال يجلس أمام لجنة الانتخابات لمجلس الأمة خالعاً طربوشه وهو يضعه علي ركبتيه وكان الناخبون يخرجون من بعد أن أدلوا بأصواتهم ويضع كل ناخب قرشاً أو نصف قرش وهو يجلس مبتسماً واثقاً محاطاً بالحب والإعزاز في وقت كانت فيه أصوات الناخبين تشترى وكان الجنيه يقطع نصفين يأخذ الناخب نصف الورقة المالية ويحتفظ المرشح أو وكيله بالنصف الآخر ليسترده الناخب بعد أن يقوم بالواجب لصالح المرشح الذي دفع.
ولعل أبرز إنجازاته هو نجاح حملته لمكافحة البغاء العلني، وهو ما أسفر عن إلغاء البغاء عام 1947. كان يحمل الزلط علي كتفيه وذاق قسوة الحياة ليخرج من صفوف العمال الكادحين ويصبح مليونيرا وليدخل المجلس النيابي من أوسع أبوابه غير مستند إلي حزب أو قوة تدفعه إلي البرلمان. كان يحكي تحت القبة تجربته الشخصية في الحياة والدروس المستفادة منها كأعظم أديب شعبي بأسلوبه السلس السهل فيغزل من الفلكلور موسوعة علمية.
ولكن فى عصرنا الحديث ترى أن كل شىء ممكن عمله وغض النظر عن حرمته من أجل الفوز بمقعد المجالس النيابية. فقد استغل عدد من المرشحين نفوذهم داخل الجمعيات للإعلان عن أنفسهم من خلال المشاركة في توزيع إمكانيات تلك المؤسسات الخيرية المخصصة لصالح الفقراء والأيتام. وزعوها على من يريدوا بيع اصواتهم وضمائرهم.والتمس لهم العذر فهم فقراء يحتاجون الطعام والبطاطين المعروضة عليهم وغيرها. اما هذا الناخب الذى يستغل ماله او مال الجمعيات الخيرية فحسابه على الله، وعلى الدولة محاسبتهومجازاته.
إن عملية شراء الاصوات الإنتخابية، او ما يعرف بـ (شراء الذمم) لا يمكن حجبها او انكارها، بل ان البعض دافع عنها وبررها واعتبرها جزءا مكملا للعملية الانتخابية، وأكد بأن الهدية يمكن ان تعبر عن نوع من الفرحة والسرور لما يحدث من جراء هذه العملية وما سوف تجلبه من خير وبركة للشعب. وليس هذا مقصورا على شعب عربى واحد بل أن الأمر منتشر فى جميع الدول. في حين يستوجب على كل شخص يعيش ضمن هذه المساحات الوطنية إيجاد نمط تفكير يتناسب مع مصلحة الوطن، فثقافة الإنتماء والوطنية تنبع من داخل الإنسان حتى نستطيع أن نتجاوز معاً هذا الموضوع المدسوس.
وبات من الملاحظ أن أغلب المواطنين في الوسط السياسي و المجتمعي يسخرون من الطرق والوسائل الرخيصة لمثل هؤلاء المرشحين ، ولم تغرِ المرشِح في الوقت الحاضر ( كارت موبايل) تعبئة رصيد ، ولا (غيرها ) ، ولا دعوة غداء أو عشاء ، ولا سفرات جماعية مدفوعة الثمن لزيارة أضرحة أولياء الله.
فهناك لغطاً من المرشحين يتوسدون بوسائل غير مقبولة شرعا ولا اخلاقا لكسب اصوات الناخبين ومنها تأمين خدمات معنية ووعود بتعيينات بدوائر الدولة وتوزيع بطاينات ومواد غذائية والاستعانة بمقاولين كبار لدعم حملاتهم الانتخابية مقابل منحهم مقاولات لمشاريع في الدولة وغيرها من المسائل التي اصبحت معروفة لدى المواطنين”.
إن السياسة تحتاج الى الصدق والثقافة والاخلاق، وأن السياسي المثقف هو الذي يتقدم ويخوض معترك السياسة بما يحمله من عمق ثقافى، وما يكتنزه من عواطف انسانية شفافة، وما لحرية التفكير من قدسية في وجدانه.