أبريل 21, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

⁦⁩الإسلام وحرية الاختيار ⁦

⁩بقلم د . أحمد يوسف الحلواني

⁦باحث في الشريعة الإسلامية

الإسلام هو منطق الحب والرحمة منطق يتلاءم ويتسق وينسجم مع حرية الإنسان، فحين أنظر إليك من زاوية الرحمة وبعين الحب قطعاً لا يكون لدي أي إرادة للسيطرة عليك أو الهيمنة عليك، أتركك كما خلقك الله – تبارك وتعالى.
بهذا المنطق كان الاسلام العظيم أكثر مقبوليةً عند البشر كل البشر وعند الإنسان بما هو إنسان.. منطق الحب وليس منطق الكره،ومنطق الرحمة وليس منطق العذاب، منطق كما جاء به رسالات الأنبياء والرسل حراً مُختاراً تنتخب دربك وتختار سبيلك وفق قناعاتك، هذا هو الإنسان، وهكذا يرتاح الإنسان.
لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى كائنات مُفكِّرة عاقلة تخطىئ وتصيب فلا يُوجَد بشر عنده عقل كامل من جميع النواحي فيُصيب الحقائق بضربة واحدة، فهذا مستحيل و قد تقول لي وماذا عن الأنبياء؟
الأنبياء يتصرَّفون بوحي، هذا وحي وليس تفكيراً، هذا وحي والوحي معصوم، حتى الأنبياء حين يُفكِّرون ويجتهدون يُخطئون ويُصيبون في الاجتهاد الدنيوي، وهذا أمر طبيعي، أنتم أعلم بأمور دنياكم، وهذا لا يغض من قدر النبي.. للأسف ان البعض يحب أن ينسب إلى الأنبياء أنهم مُتفوِّقون حتى في الشؤون الدنيوية، هذا غير صحيح، غير مطلوب من النبي أن يكون مُتفوِّقاً في الزراعة والصناعة والتجارة والطبابة، النبي غير مبعوث لكي يكون أشطر طبيب ولا يضيره ولا ينقصه أن يكون غيره أحذق منه في الطب، نبينا كان يتطبَّب، كان يُوصَف له الأطباء، وكان يتطبَّب على أيدي هؤلاء الأطباء، لكن النبي رسالته شيئ مُختلِف عن هذه الأشياء وهى الأسمى والأرقى والأخطر، ليس الرهان على الصواب والخطأ لكن الرهان على التفكير وعلى أن نستخدم عقولنا، هذا هو المُهِم، أعطني حرية أن أُفكِّر بحرية، هذه سُنة الله، لكن إذا كان الرهان مُنذ البداية أنك تُريدني أن أفكر على نحو مُعيَّن وبنحو مُعيَّن بحيث أن انتهي إلى نتيجة معينة فأنت بهذا قد اجتحت حريتي، واعتقدت انك تمتلك الحقيقة كلها، وتعتقد أن الحق كله عندك وأن كل الحق بين يدك ولذلك عليك أن تتطابق مع ما عندي، عليك أن تتطابق معي، وإن لم تتطابق فأنت مُبطِل، أنت ملعون، أنت مطرود من جنة المعرفة ومن رحمة الله معاً، وفي الحقيقة هذه وثنية لأن الحقيقة المُطلَقة الكاملة التامة الناجزة عند الله.
ولكن الإسلام جاء من أول يوم ليشجب هذا المنطق لإنه لا يعترف بهذا المنطق، فلا يُمكِن أبداً أن تكون قضايا الاعتقاد والدين قضايا يُصطنَع فيها الإكراه والإرغام والقصر، إنها قضايا اعتقاد وقضايا اختيار حر، وهذا هو منطق القرآن،,و مُستقبَل أمتنا الروحي ومُستقبَلها الأخلاقي والقيمي أن كل أحد له الحرية الكاملة وبالتالي يتحمَّل مسئوليته تامة غير منقوصة عن اختياره، ولكن ما حدث أن هناك مَن يقولون لنا دائماً “نحن نختار بالنيابة عنكم، نحن نحتاز الحقيقة.
ان امتنا وديننا الحنيف في امس الحاجة الا اولئك المُتواضِعون الوادِعون الذين يعلمون أنهم يتعلَّمون فيعيشون ويموتون وهم يتعلَّمون، فنحن كل يوم نتعلَّم جديداً لذلك نقبل الآخرين ، نقبل الآخرين على أنهم شركاء في البحث وشركاء في النظر، أما منطق الاستهزاء والازدراء والتحقير والاتهام هو منطق مُرشَّح أن يقضي على صاحبه باستمرار فصاحبه دائماً ما يفشل، وهذا هو معنى قول الله – تبارك وتعالى – فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ۩ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ۩، فإذا كان لديك رسالة ودعوة عليك أن تصدع بها بجدية وبصدق وإخلاص، أما الذين يستهزئون فلا يُناظِرون بل يكتفون بالاستهزاء ومن هنا قال الله كفيناك إياهم يا محمد، وليس هذا يختص بمحمد فحسب هو الذي قد كُفيَ هؤلاء المُستهزئين كما تظنون وتقولون بل أي إنسان – أي إنسان في الشرق والغرب – سيُكفى المُستهزئين لأن الاستهزاء منطق يقضي على صاحبه فضلاً عن أن البشر لديهم حس ولديهم تشوف لمعرفة الحقائق، فلو بعد حين سيعلمون أن هذا هو الحق الصُراح وأن هذا هو الباطل الوقاح ومن ثم سينحازون إلى الحق والحقيقة، فعلينا أن نتخفَّف من المنطق الازدرائي والغطرسة والعجرفة ووصم الآخرين، فنحن شركاء في النظر وشركاء في البحث، نحن البشرالمُتواضِعون وبالتالي هذه هى خُطتنا وهذه سبيلنا.