بقلم . شعبان سليمان
في علم أهل اللغة نجد أن معني العِشْق بكسر العين وسكون الشين مصدره عَشَق وهو فرط الحب إذا تجاوز حدود العقل , والحُبْ هو ميل النفس الى المحبوب مع العقل فإذا تجاوز العقل فهو العشق وقيل العِشْق من العَشَقَة وهو نبات اللبلاب الذي يلتوي على الشجرة ويلزمها فهو محيط بها من أصلها الى فروعها ..
ولو تطرقنا إلي عبادة الله التي بالطبع ليست بقاصرة علي مجرد التمايل الجسدي في طقوس دينية أو الأداء الحركي في صلاة يومية لأي إنسان مهما كانت ديانته , ولو أن الإلتزام اليومي بالصلاة في أوقاتها يجعل النفس متأهبة للدخول تحت مظلة وزُمرة تطويع وتهذيب النفس أفضل بكثير من عدم قضاءها مطلقاً , فإن الأداء الذي يأخذ معني الإعتياد الأصم الأجوف فقط دون ملامح العبودية الحقة المتمثلة في إيمان صادق نابع من قلب خاشع لربه تشعر به الذات وتعضده جميع الجوارح وقتما تهيم وتسبح في ماهية عظمة الله سبحانه وتعالي وبديع مخلوقاته وملكوته والذي لا يكون في أوقات الصلاة فحسب بل وتحيا بها دوماً حتي تجعلك تسير بين الناس في نورانية الله بملء عشق ذاته الواحد الأحد دون شريك أو منازع فتجعله هو أنيسك في وحدتك وبين جموع الناس فتكون كل صلااتك وسكناتك ومعيشتك وتوجهك إلى مرضاة الله سبحانه وتعالي إلا من بعض اللمم (وهي صغار الذنوب) التي تجعلنا دائماً وفقاً للطبيعة الإنسانية نتوجه للإستغفار وطلب المغفرة من الله عز وجل الذي يسعد بتوجه عباده إليه وحده بالدعاء والمغفرة والإلحاح في هذا الدعاء ..
وقد رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء إستفتاح صلاة الليل ” وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي وأعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك واليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك “
وقال أمير المؤمنين رضوان الله عليه في دعاء مناجياً ربه ” يا من دل على ذاته بذاته ” وسرّ العشق في المخلوقات هو الإفتقار الذاتي والاحتياج المكمون في حقيقتهم فالعشق سبيلاً ومعبراً من الفقر إلى الغنى ومن العدم إلى الوجود ومن النقص إلى الكمال ومن القبيح إلى الجميل .
فإن هذا العشق الإلهي من العبد لربه بكل هذا الإخلاص في العبادة يضفي على وجهه هالة من النور والبشاشة تتوج بها نفسه وتبعثه بتصرفات تلقائية إلى عمل كل ما يقرّبه من الله تعالى سواء في محيط عمله أو تعامله مع الناس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ” مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ إسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ” أي أنه يصبح عبداً ربانياً .
وكما قالت رابعة العدوية أشهر الزاهدات في عشق الله سبحانه وتعالي في قصيدة ياسروري
يا سروري ومنيتي وعمادي وأنيسي وعُدتي ومرادي
أنت روح الفؤاد أنت رجائي أنت لي مؤنس وشوق كزادي
أنت لولاك يا حياتي وأُنسي ما تشتتُ في فسيح البلاد
إني جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي