أبريل 19, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

دعوا حموا بيكا يغنى ! (2) بقلم

 

و قد يتهم الجمهور بالانحطاط فى ذوقه العام فى هذه المرحلة , و هذا ما يفسر الاستماع الكثير لحمو بيكا و باقى مطربى المهرجانات , لكن الانحطاط فى أذواق الناس هو فى نظرى محل نقاش , فالناس ماتزال تستمع لأم كلثوم و عبد الحليم حافظ و باقى مطربى ” عصر من الغناء ” كان فيه عظماء و روائع , و الناس مايزالون يحضرون بكثافة حفلات هانى شاكر نفسه و يدفعون فيها مبالغ ليست قليلة خاصة إذا أقيمت بدار الأوبرا التى تتسم بنوع من الأرستقراطية خلافا لكافة مؤسسات وزارة الثقافة , و منذ حوالى شهر قبل كتابة هذه السطور كنت قد حضرت حفلة للموسيقار الكبير عمر خيرت , و قال فيها عبر مكبر الصوت :”إنه سعيد بهذا التذوق الذى يتمتع به الجمهور” , و كل ذلك دلائل على أن أذواق الناس ماتزال سليمة .
المسألة أن هناك تنوع فى الأذواق , فمثلما يستمع قطاع من الناس إلى أم كلثوم سيدة الغناء العربى حقا و صدقا , فهناك قطاع آخر يستمع لحمو بيكا , و لولا اختلاف الآراء لبارت السلع كما يقال , و منذ سنوات كنت قد سجلت بالكلمات ذلك المشهد الفريد الذى يدل على كم قبول الآخر لدى أبناء مدينة السويس , فعلى كورنيش السويس و فى ليالى الصيف يجد المتمشى على الكورنيش من يشغل قرآنا من مشغلى المقاهى , و بجواره تماما من يشغل أغانى من أى نوع سواء أكانت لأم كلثوم أو لمطربى المهرجانات , و لا يعيب هذا على ذاك , و لا يحاول هذا أن ينتقص من حرية ذاك , و الكل متفق على مبدأ الحرية فى الاستماع , و عدم الحق لأحد أن “يسمّع” الناس على مزاجه !
(5)
قد يكون لافتا للنظر كم الرفض و العداء الذى يبديه معظم كبار المطربين و الموسيقيين لمطربى المهرجانات , و قد يكون لذلك ما يبرره نسبيا , فمطربو المهرجانات جميعهم ذوو أسماء غريبة تثير عدم الارتياح إن لم يكن الاشمئزاز : حمو بيكا , مجدى شطة , كزبرة وحنجرة، فرقة الصواريخ، العفاريت، العصابة، بصلة، الزعيم، وزة مطرية، عمرو حاحا، الديزل، علاء فيفتى، فريق الكعب العالى، شواحة، أبو ليلة ، أندرو الحناوى !
و لم يظهر أحد منهم على أنه من أفاضل الناس .
و هذا ما تكلم فيه أحدهم فى فيديو له على الفيس بوك منذ فترة قليلة , و أنا لا أعرفه و لا أعرف إسمه لكن كلامه كان فى الصميم , قال إن حمو بيكا قال فى نقابة الموسيقيين إنه عمل كسائق توكتوك و عمل جزارا و مبيض محارة و نحو ذلك , و نعم كلها مهن شريفة مالها ممزوج برائحة العرق و التعب و بذل المجهود , لكن فى ظل مجتمع يحب المظاهر لماذا لم يظهر واحد فقط من مطربى المهرجانات كحاصل على مؤهل جامعى من أى نوع أو يمتهن مهنة من التى يراها الناس أنها مهن راقية ؟
و قد تكون هناك نية صادقة لدى البعض فى حماية المجتمع و ذوقه العام من هذا الذى يرونه تلوثا سمعيا , لكن بالمقابل فإن الموسيقى الغربية تستمع إليها الأجيال العربية بالرغم مما فى الكثير منها من الفوضوية و المساوئ بأكثر مما هو موجود فى المهرجانات , و مع ذلك لم نسمع عن منع لتلك الموسيقى بقرار ما , بل عادة ما يتم ترك ذلك لاختيار الناس , فإن كان ذلك جائزا فى الموسيقى و الأغانى الغربية فإنه بنفس المقياس جائز أيضا فى أغانى المهرجانات .
و قد يكون هناك قلق من انتشار هذا اللون الغنائى و ما يتبعه من تأثير على انتشار منتجات غنائية أكثر جودة , لكن بالمقابل فإن أرقام مشاهدات أغانى عمرو دياب و حماقى و غيرهما من المطربين الكبار المعاصرين على اليوتيوب تعطى اطمئنانا إلى أن كل شيئ فى سياقه المعتدل و لم ينحرف عنه , و أن الأفضل إنتاج المزيد و المزيد من السلع الجيدة التى تنافس السلع الأقل جودة بدلا من محاصرتها بقرارات فوقية .
(6)
و الحل فى نظرى كما قلت أن يختبر حمو بيكا و غيره من مطربى المهرجانات من هو حيادى بالنسبة لهم كنقيب الموسيقيين الذى صرح بتلك الحيادية , و أن يتم تكوين رؤية واضحة إزاء هذا اللون الفنى الذى بالفعل له مساوئ , لكن أيضا له عوامل جذب قد اجتذبت كل تلك الملايين من المستمعين , و لعل فى مقدمة عوامل الجذب أن الألحان دائما راقصة و هو نفس الوصف الذى وصفت به أغنية ” بشرة خير ” التى لحنها عمرو مصطفى , و قيل أن أهم سبب لانتشارها ليس أنها أغنية وطنية و لكن لأن لحنها لحن راقص محفز على الرقص !
و تتسم المهرجانات كذلك باسترسال كلماتها و عدم تكرار أى منها كما يحدث فى غيرها من الأغانى , مما يخرج المستمع إليه من حالة ملل قد تصيبه جراء الاستماع للأغانى العادية .
لكن بفرض أن هانى شاكر هو أيضا رفض اعتماد حمو بيكا كمطرب , فساعتها لابد من التسليم لقراره , لكن لابد أيضا من تسليم نقابة الموسيقيين لرغبة مستمعى و مشاهدى المهرجانات على اليوتيوب و باقى مواقع الصوتيات من ناحية , أما من الناحية أخرى فينبغى التسليم لجمهور حمو بيكا و باقى مطربى المهرجانات , بمعنى أنه إذا تم التعاقد معه على إحياء حفل زفاف مثلا فإنه لا يحق لأية سلطة منعه من إحياء الحفل مادام أصحاب الحفل هم من ارتضوه مطربا لهم , أما الظهور فى التليفزيون الرسمى أو الإذاعة الرسمية فذلك مبنى على قرار نقابة الموسيقيين , و ما بين هذا و ذاك هناك الحفلات التى تقام بواسطة متعهدى حفلات و يحضرها الجمهور, ففيها قولان :
القول الأول : أنه لا تصح ممارسة مهنة ما بدون تصريح لمزاولة تلك المهنة .
الرأى الثانى : أن التصريح بمزاولة المهنة إنما يكون للمهن الخطيرة كالطب و الصيدلة و نحوها , حيث إن الخطأ فيها بحياة إنسان , أما الغناء فالحكم فيه للجمهور , و لهذا ينبغى عدم منع مطرب من الغناء احتراما للجمهور الذى سيحضر للاستماع إليه , مادام ذلك المطرب لا يخالف شيئا من الآداب العامة , مثلما فعل محمد رمضان مثلا من خلع ملابسه على المسرح أمام الجمهور فى إحدى حفلاته منذ شهور .
و من يتذرع بالقوانين يجب ألا ينسى أن القوانين فى هذا البلد تسير بالمزاج و لا تنطبق عليه الأوصاف البديهية للقوانين من إنها قواعد مجردة .
و أعود لأكرر : كاتب هذه السطور ليس من محبى المهرجانات و لا يستسيغ سماعها , لكنه من محبى العدل و الحرية , و من ضمنها حرية الناس فى الاستماع لما يشاءون , فإن الخبر الذى ساقته الصحف منذ حوالى شهر و نصف أن الشرطة قد منعت حمو بيكا من الغناء فى حفل زفاف هو فرض وصاية على الناس فى مسألة يفترض فيها أنها بعيدة كل البعد عن فرض الوصاية , و عودة لمحاكم التفتيش بينما هى قد انتهت فى بلدانها الأصلية من أكثر من خمسمائة سنة .