بقلم قيصر الأدب
د.طــارق رضــوان
ذكرت فى مقال سابق بعنوان”فن معاملة الأنثى ” حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اسْتَوْصُوا بالنساء خيرا، فإن المرأةَ خُلقت من ضِلَع، وإن أعوجَ ما في الضِّلَع أعلاه، فإِن ذهبتَ تُقيمُهُ كسرتَهُ، وإِن تركتَهُ لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.
** المرأة أنشودة رقيقة الكلمات جميلة اللحن.. فلنستمتع بروعتها ولنرددها ونحفرها على جبين الجمال.. !
فى مقالي هذا سنعرض صورة واضحة لحال النساء فى الشرق وطريقة معاملتهن ورأى الأديب توفيق الحكيم منهن . وسنعرض موقف الإسلام من هذا،وان كنت لن أدخل فى تفاصيل دينيه عميقة .فالأمر هين وواضح للجميع. ولكن لزم الإشارة اليه . فأنتم جميعا تدركون قطعا أهمية الاهتمام بالمرأة فهى الأم والزوجة والحبيبة والأخت والابنة. ورغم علمنا بهذا الا أنها ما زالت تعانى من سخافات ذكورية نهى عنها الله فى دياناته وأعزها الله قمة العز والوقار فى سلامه. وسنتكلم بأمر الله عن حضارات الغرب ومنها الأدب الانجليزي وكيف ظهرت المرأة فى الأدب الانجليزي. فكوني متخصص فى الحضارة الانجليزية والنقد الادبى لا يعفيني ابدا من المشاركة فى إظهار عيوب مجتمعنا العربى ومحاولة إصلاحها قدر المستطاع . فهذا أولى وأحق من أن نذكر كلاما نظريا عن حضارات أخرى، وان كنا لابد سنقارن بين حضارتنا العربية وثقافتنا وبين الثقافة الغربية وحضارتها.
– المرأة ليست ندا للرجل متى يجب علينا أن نفهم هذه الجملة بالمعنى الصحيح..! الرجل هنا يعرف هذه الحقيقة لكن بشكل خاطئ وهي منطلق أنه سي السيد وهي من تلبي رغباته كي يرضى عنها …! مع أنه للأسف يعلم تمام المعرفة أن عدم رضا أنثى عليه سيدخله النار…! أنسينا الأم .. منبع الأنوثة .. أي أن الرجل وبمنطق الجبروت يرى عدم وجود الندية..
– الأنثى بحثا عن تحقيق ذاتها تحاول أن تؤكد وجودها ونديتها للرجل وهذا بالتأكيد خاطئ لأنها فقط ردة فعل على تجاهل الرجل الشرقي لوجودها وجهله للكنوز اللي تحملها بداخلها …!
يقول الحكيم لحماره: “اسمع إني لا أطيق أحداً يحقر الأفكار والكلمات ! .. إن الكلمات هي التي شيدت العالم … إن محمداً لم ينشر الإسلام بالذهب ؛ بل بالكلمات .. وإن عيسى لم ينشيء المسيحية بالمال؛ بل بالكلمات.. الكلمات الصادقة والأفكار العالية، والمبادئ العظيمة هي وحدها هي التي قادت الإنسان في كل أطوار وجوده ، وبنت الأمم والشعوب في كل أدوار تاريخها… مامن حركة وطنية أو قومية أو إنسانية قامت أول أمرها على شيء غير المبادئ والكلمات… وعندما يظهر الذهب آخر الأمر ببريقة ورنينه ، فاعلم أن أوان الانهيار قد آن … وأن هذا البريق سوف يذيب المبادئ بأشعته الساحرة … وأن هذا الرنيين سوف يصم الآذان بجرسة الفاتن عن سماع الكلمات..”
……..
في فصل (حماري و منظري) يستعرض الكاتب فكرة أن على الأنسان أن يجد أسباب القناعه بشكله الذي وُلِدَ عليه فشحصيته جزء لا يتجزأ من هذا الشكل ، فبعد أن كان ساخطاً على السماء و يتجلّى ذلك بقولِهِ ” طالما نَدبتُ سوءَ حظي ونصيبي وبكيتُ وإشتكيتُ لأن السماء خلقتني هكذا شكلاً وموضوعاً ” صار يجدُ الأسباب للقناعه بما هو عليه فلو تحققت لهُ ثروة (( روكفلر )) و أخلاق (غاندي) و وسامة (كلارك جيبل ) لما صار كاتباً لامعاً فهو يعتقد أن الوسامة و المال ستُحرِمُهُ موهبة الكتابه فنراهُ يتسائل جازماً بصحة رأيه فيقول : ” أين في تاريخ الأدب والفن ذلك المليونير الوارث الذى يحني ظهره ليكتب أو يخلق” و هنا أجدْهُ قد وقعَ في خطأ كبير فأين هو من عميد الأدب العالمي (ليون تولستوي) الأمير الذي يملك مقاطعة ياسنايا بما عليها من بشر و دواب !!!؟ هذا الكاتب الفيلسوف الذي كان غاندي ينهل من سلوكه الأنساني حيت يتجلّى ذلك بوضوح في خطابات غاندي مع هذا الفيلسوف الروائي العظيم ..
و ينتقد ظواهر سلبية في الصحافة المصريه مقارناً بمثيلاتها الغربيه و بالشارع المصري فيقول على لسان حماره ” سمعت أن النفاق له قيمة كبرى فى الأسواق العالمية ، وأن أجود أنواعه يوجد فى مصر” ليقارن النفاق في مصر بجودة القطن المصري طويل التيله ، فالنفاق تمتد تيلتهُ الطويله لتصِل إلى الطرفين :الفرد والجتمع .. ففي بلدان اخرى من الجائز أن يعتنق الفرد رأيا مخالفاً للجماعة ؛ فتنهض ضده الجماعة فيقبع فى داره صامتاً ،، أمّا في مصر فيورد مثالاً قائلاً “ أخبروني أن أفراداً قاموا ينادون بأفكار حرة فإتهمهم الناس بالإلحاد ؛ فلم يكتفوا بالصمت بل قاموا فى اليوم التالي يحملون المسابح الكهرمان ويرتدون العمائم الخضر” و يستطرد قائلاً في النفاق المجتمعي: “ أنه ما من مجتمع في غير مصر يستقبل المجرم الخارج من السجن بالموسيقى والمزمار كما يُستقبَل الحاج القادم من الحجاز” .
سمي تياره المسرحي بالمسرح الذهني لصعوبة تجسيدها في عمل مسرحي وكان الحكيم يدرك ذلك جيدا حيث قال في إحدى اللقاءات الصحفية : “إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة.
تعرض الكاتب توفيق الحكيم فى فصول كتابه لنقد المجتمع العربي لتمسكه بالتقاليد و الأعراف و الموروثات فهو يقول أن شعوبنا تظن انهم بضياع تلك التقاليد و الأعراف (و إن كانت شكلية) فستضيّع حريتها و قوميتها و عقيدتها ، فيصف الشعوب القوية الحرّه بأنها أوسع الشعوب صدراً و عقلاً و ضرب مثلا بالشعب الياباني فيقول : ” وعلى الرغم من التقاليد اليابانية القديمة ، والوطنية اليابانية العريقة ؛ لم نسمع يابانياً ذكر كلمة (( القومية )) أو الوطنية، وهو يرتدي الزي الأوربي ، لأنه لم يخطر قط بباله وهو يلبس (القبعة) أنه سيخلع (قوميته)… أما الشعوب الضعيفة فتتوهم دائماً أن حريتها أو قوميتها أو عقيدتنا ستُخلَع منها وتذهب عنها بلفظ أو بكلمة أو بِرداء ؛ فهي تنفعل وترتعد وترتاع لمجرد المظاهر والالفاظ والكلمات “.
وكان له رأى فى الأحزاب السياسية والذى تجلى فى سطوره حين يناقش حماره فيقول أنَّ على الأحزاب تبني مباديء الحريّة الإجتماعيه و بذلك تتم موافقته على إنشائها لكنه يختتم نقاشه بعبارة مُهينة للمُنتمين للأحزاب ، حيث يُعلِن موافقته للحمار قائلاً : ” لا مانع عندي الآن من تأليف الحزب … إجمع الحمير !.. ” فمن هم الحمير يا تُرى !؟ لأننا نجد الكاتب في آخر فصل (حماري و السياسة) ص 65 ينصح حمارَهُ بالإبتعاد عن مضمارِها قائلاً : ” إنك لن تؤثر فيهم بمبادئك .. ولكنهم هم الذين سيؤثرون فيك بمبادئهم … ولن يمضي وقت طويل حتى ترى أنك أنت لم تعد حماراً. ” أي لم تعُد طيب السريرة كسجيتك كحمار .
و في فصول أخرى نجد الكاتب يُظهِر عامداً مواقف معادية للمرأة ففي (حماري و الطالبة) ص 72 لا نرى للحمار دوراً سوى في العنوان حيث يتّخذ أحد زوايا المكتب مكاناً ينزوي فيه مستمعاً لحوار توفيق الحكيم مع الطالبة ، و لا أظن أن الهدف من إظهار عداء الكاتب للمرأة إلّا لشيئين إثنين : أولهما دفعها لقراءة مقالاته و كتبه وهي هنا غاية ساميه من الكاتب لجر المرأة للتعلّم والقراءة .. و ثانيهما أن يعرض على لسانهِ المواقف المعادية لحرية المرأة ودخولها مجالات الحياة جنباً الى جنب مع الرجل ، و أظنّهُ وُفِّقَ في هذا فقد أعطاها دوراً أعجزها عن الحجّه فولّت هاربة ، و حتى دور الهروب هذا قد يدفع بعضهن فيقبلنَ التحدّي لإثبات العكس ، لكن رأي الكاتب الشخصي و ليس المهني ككاتب نراهُ يقف ضد ولوج المرأة بعض أبواب العمل كالقضاء فهو يفترض أن عاطفتها ستكون هي المسيطرة و بالتالي ستأتي أحكامها منقوصة العداله فهو يفترض تأثر القاضية بوسامة و شياكة قاضي الدفاع ، متناسياً أو (متجاهلاً عن عمد) نفس التأثير فيما لو قلبنا الأدوار و كان القاضي رجلاً متصابياً و كان محامي المتهم شابة ذات جمال أخّاذ ..
وتراه في فصل (حماري و حزب النساء) ص 85 يتقبّل دخول النساء في البرلمان ليُذكّر المرأة بطريقة ساخرة بأن الدين الإسلامي حسبها بنصف عقل فجعل لها نصف صوت الرجل و حصّته فيقول : ” أقترح الأخذ بمبدأ أن ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) ، فيكون لكل امرأة صوت واحد … ” ، و يستطرد في نفس المجال قائلاً : ” الّا إذا إعترض حزبهن الموقر بأن هذا الرأي أيضاً غير عملي (وهنا نراهُ مُحرّضاً ضد الآية 11 من سورة النساء و الآية 282 من سورة البقرة) .. بحجة أن إشتراط صوت لكل أمرأتين يتطلب وجود أمرأتين في البرلمان يمكن أن تتفقا على رأي واحد ، وهذا بعيد الاحتمال . ” نلاحظ هنا آخر العباره (وهذا بعيد الاحتمال) فالكاتب يُصِر على أن عقول النساء لا يمكن ان تتفق فيما بينها على شيء ، مُتناسياً أن الرجال السياسيين كذلك لا تجمع بينهم سوى المصالح سواء كانت شخصيةً أم جمعية.
حتى موافقته تلك على مشاركتها للرجل في العمل و تمثيلها في البرلمان يُعللها لا لإمكانية المرأة على القيام بذلك بل لوصفها حسب قوله “هي كالقمر (كائن سلبي) ،وسطح مُعتِم في ذاته ، لا تسطَع إلّا بما ينعكس على قلبها ورأسها من تفكير الرجل وإحساسه … فدنوها منه في مجال العمل المنتح، له من الفائدة ما يعادل فائدة المرأة إلى جانب المصباح .. إنها تُضاعف نورَهُ ، وتُزيدُ إشعاعَهُ… أما أن تنتظِر منها أكثر من ذلك فهو إنتظار للمستحيل “.
و في فصل حماري و عداوة المرأة ص90 يُحاول كاتبنا أن يجد لهُ أنصاراً من أُدباء عصره يقفون بالضد من المرأة ، فوقع إختيارهُ على العقّاد حيث أخذ الحكيم دوره في الرد على تساؤلات حمارِهِ فها هو كاتبنا يقول عن لسان حال العقّاد : ” فمَنذا يستطيع أن يزعَم أني وقفتُ تجاه المرأة موقفاً ينُمُّ عن زراية أو بَغضاء ؟… أين بدا ذلك منّي ؟… هأنذا أُلقي بقفاز التحدي .. ومع ذلك أُصغي أحياناً إلى همسات تتصاعد من قرارة نفسي أرجو أن لا يكون لها صدى يبلغ آذان النساء ، همسات تُنبئني بأن المرأة كانت في نظري ، وتكون شيئاً لا يستحق غير الإمتهان ” و يستطرد في مكان آخر في نفس الفصل فيقول نيابة عن العقّاد ” إني أُعامل المرأة كما ينبغي أن تُعامَل : لا بالعقلِ الرشيد ، ولا بالمنطق السديد ” .. ثم ليؤكّد رأيهُ هذا بقوله عنها ” إني أُبصِرُها … وأراها دائماً كما هيَ… وكما خلقها بارِئُها : فاكهة شهيّه غَضّة يَنخُرُ فيها الدود … فلننفض عنها دودَها ، ونحن نُخفي إشمئزازنا ، ولنُطْبِق عليها بأنيابِنا ، ونلتهمُها بأفواهِنا ، ثم نطرحُها جلدةً رثّة ، وقشرةً بالية ..

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي