بقلم د.محمد عبد العزيز _ كاتب وباحث إقتصادي
مصطفى شاب نحيل الجسد من أبناء الصعيد ذو بشرة سمراء كان خفيف الظل له صوت عذب يشدو به بين أقرانه في الجامعة والجميع يحب صوته كان رقيقا مهذبا لكنه ضعيف البنية الجسدية وكان دائما ما يُحب أن يكتشف كل جديد ويذهب مع زملائه في كل رحلات الجامعة وفي يوم تعرف في إحدى الرحلات في مدينة الفيوم على شباب من جامعة الأسكندرية وكان بينهم فتاة شديدة الجمال عينيها خضراء وبشرتها بيضاء مشوبة بحمرة الورد وشعرها بني اللون طويل وناعم كانت أية في الحُسن والجمال وكان أسمها سُها ، أحبها مصطفى منذ أن وقعت عينيه عليها ولم يستطع أن يبتعد عنها للحظة واحدة وظل يتحين المناسبات ليذهب لها جامعة الأسكندرية في مؤتمرات وندوات تجمع شباب الجامعات معا وكان يحدثها عن أحلامه بعد التخرج وهي تنصت بعدم إهتمام فصارحها بحبه لها لتعلم صدق حبه وصدق نواياه في الإرتباط بها لكنها واجهته برفض شديد فلم يفهم السبب وراء رفضها له وأصر على أن يتواصل معها وأصر على رؤيتها كلما سنحت له الظروف لكنها كانت تبتعد عنه وتترك المجال لزملائها لكي يتنمروا عليه بسبب لون بشرته وجسمه النحيل الصغير فلم يُعير لذلك إهتماما فقرر أن يتقدم لوالدها بشكل رسمي لكي تعلم محبوبته أنه صادقا غير عابثا بها وبمشاعرها وإستطاع الحصول على عنوان والدها الأستاذ ضياء وذهب له ليفاتحه في الأمر وليخبره بأنه لديه كافة إمكانيات الإرتباط فقط يريد إنهاء السنة الدراسية الأخيرة له في الجامعة قبل أن يتسلم العمل مع عمه في شركة الصرافة المملوكة لعائلة هذا الشاب ويديرها عمه وبعد تحديد موقفه من الخدمة العسكرية وفقا لظروف تجنيده من تجنيد أو تأجيل ، لكن مصطفى فوجيء برد فعل غريب من الأستاذ ضياء فلم يكن رفضه لأن مصطفى لازال يدرس في الجامعة لكن رفض الأستاذ ضياء كان تنمرا جديدا وإيذاءا جديدا لمشاعر مصطفى الرقيقة أكثر من رقة جسده النحيل الصغير وقال الأستاذ ضياء له أن سبب رفضه أن سُها فتاة جميلة وتحتاج لشاب قوي البنية فارع الطول ليحميها من مضايقات ومعاكسات المتطفلين ومصطفى رقيق الجسد ولن يستطيع أن يحميها فضلا عن أن له بشرة سمراء وهي شقراء ، عاش مصطفى بلوعة حب كبير وهو يشعر بتأنيب الضمير لأنه فشل في أن يصل حجم حبه الكبير لمن يحبها هي وأهلها ، كان دائم التساؤل كيف لهذا الحب ألا يشعر به من نحبهم ؟ ، كيف يواجه الناس الحب بالتنمر والإيذاء والغضب الشديد من شيء جميل أسمه الحب ، كيف نتحول لحظة إعتراف الناس لنا بالحب كنمر ثائر ينكر كل شيء جميل وطيب بينه وبين من يثور عليه كيف يواجه الحب بالتنمر فقرر بعد سنوات من الصبر مع الألم أن يكتب تلك القصيدة ويرسلها لوالد سُها حتى يعلم أن الحب يظل حبا حتى وأن كانت أمواج الكراهية والإيذاء والتنمر عاتية وعالية حتى لو سخر الجميع من المشاعر الطيبة وأهلها ، كتب مصطفى في قصيدته: يا بنت الضياء ، يا بنت الضياء يا نبع الحب الذي سقاني الجفاء
يا بنت الضياء أخذ حبك مني فوق كل من أُخذوا من قبلك ، يا بنت الضياء أتيتك بلا شيء طامعا في الود ، يا بنت الضياء أخذتي مني وما أبقيتي شيء ، يا بنت الضياء عينيك خضراء كالبستان ، يا بنت الضياء الطريق لعينيك صحراء قاحلة ،
يا بنت الضياء عذابي تعذب والهجر هجرني فوق هجرك ، ما بين حبي وصدك لي حكايات يرويها الناس ، ما بين عمري وعمرك جفاء وحب للعهد باقي وعناد عقيم
ما بين الضياء والظلام كثير يا بنت الضياء ، فهلا تلاقينا كموعد بزوغ الفجر وقت تلاقي الليل والنهار ، ما بين حبي ورفضك لحبي جرح كنهر وعمري يغذي النهر بحبي فيزيد الحب جرحي ولا يستطيع نهر الحب إلا الوفاء بالحب ، فهلا هدمتي سدود الجفاء والغباء والعناد والظلم والإظلام ، هلا تخليتي عن الوفاء بعهد الظلام يا بنت الضياء ، يا بنت الضياء ، تنمرتي برفضي وكراهيتي وتنمرت بمحبتك وحبك أكثر فأكثر لأني ليس لي حيلة في إنتزاع حبك من قلبي ، يا بنت الضياء ، محبتك لم تنقص يوما رغم غبنك وجورك لي ، فمتى تعودي لي يا بنت الضياء لأضع نعليكي فوق رأسي وأصونك ما حييت ، أحبك يا بنت الضياء .
فقرأ والد سُها القصيدة وأغرورقت عيناه بالدموع وقال لسُها أن هذا الشاب الأسمر النحيل يحبك بصدق وسوف يصونك وأن الشاب الذي وعدك بالإرتباط بعد التخرج لم يتقدم خطوة واحدة بشكل رسمي لمدة ثلاث سنوات كاملة بعد التخرج فأنفجرت سٌها بالبكاء وقالت لوالدها صدقت ان الإنسان ليس بشكله ولا ملبسه وليس بماله أو أسم عائلته إنما الإنسان بقدر ما يكنه من مشاعر طيبة للجميع وبقدر ما يتحمله من إيذاء الجميع له دون تذمر أو محاولة لرد الإيذاء ، وافقت سُها ووالدها على الإرتباط بمصطفى وتمت الزيجة بعد أكثر من أربع سنوات لحب مرفوض وتنمر وإيذاء مستمر حتى في مواجهة أصدق وأرق وأنبل المشاعر وهي الحب وتحول سؤ المعاملة من سُها وأبيها إلى طيب العشرة والود ، بالحب ننتصر دوما على الكراهية والإيذاء النفسي والجسدي والمعنوي فلا تحرموا أنفسكم من الحب حتى لو لم تجدوا من يقدر الحب حتى لو واجهكم العالم أجمع برفض مشاعركم الرقيقة أو رفض أي شخص لاسباب شخصية وجسدية خارجه عن إرادة الشخص ذاته ، فقط إستمروا في المواجهة دوما بسلاح الحب .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي