بقلم: أحمد محمود شرقاوي
وكأن رهبة الموت مبقتش موجودة، أو كأن الموت نفسه مبقاش العدو الأكبر للإنسان، الإنسان اللي قرر في يوم من الأيام انه يعيش كأنه هيخلد في الأرض وان الموت بيطول بس الناس اللي حوليه..
…………
في لحظة واحدة بس بتلاقي هرج ومرج وناس بتجري وبتزعق، كل ده حصل بعد صوت عنيف هز الأرض من حولينا، كأنه زلزال مخيف، طلعت أجري مع الناس في الشارع عشان استفهم ايه اللي حصل، وعرفت إن فيه قطر اتقلب قدام مدخل بلدنا على شريط السكة الحديد..
أهل البلد كلهم تقريبا كانوا بيجروا، الجوامع كلها نادت في الناس تخرج، كل الجوامع اتفتحت والعربيات كلها طلعت تجري على المحطة ناحية القطر، وهناك لما وصلت كانت ريحة الموت في كل مكان، وكأنك في كابوس مخيف..
تلت عربيات اتقلبوا من القطر ومسكت فيهم النار، الدم سايل في كل مكان، الناس طالعة تصرخ وتبكي، اللي متكسر واللي جثة واللي اتحرق، اللي بينادي على ابوه واللي بتصرخ باسم والدتها، مشهد خلى القلوب كلها تخشع والعيون تدمع..
ومع ذلك رجالة البلد كلهم موقفوش ثانية واحدة، كسروا الأبواب وخرجوا الناس، مستشفى البلد اتفتحت بكامل طاقتها والشباب كله جري يتبرع بالدم، اللي كان بيخرج من القطر كان حد بيستقبله في بيته او في المسجد يطمنه ويجبله أكل وشرب ويساعده بأي طريقة، لو مصاب يعالجه، ولو فقد حد من أهله يدور معاه..
كانت ملحمة من ملاحم الدم وقف فيها أهل بلدنا وقفة تشرف، لدرجة ان المحطة كلها اتقفلت بالعربيات عشان تنقل الناجين لبيوتهم مجانا، والستات في البيوت جهزوا الأكل والشرب عشان الركاب، يوم بطولي وقفت فيه الأهالي زي الابطال..
وكلها ساعات وكان تقريبا كل ركاب القطر اما في بيوت القرية او المساجد او المستشفى، او جثة منقولة على المشرحة، الكل تيقن ان مفيش حد لسة في القطر إطلاقا، وجت الشرطة تعاين الحادث عشان يستعدوا لرفع القطر المقلوب من على السكة الحديد..
كل ده كنت بتفرج عليه وانا واقف ماسك السيجارة ومتماسك لأقصى درجة، على المغرب نادت الجوامع من تاني ان أي راكب من ركاب القطار عايز يوصل بيته أي كان فين هيلاقي عربيات توديه لحد باب بيته، طيبين برضه أهل بلدنا مهما كان..
قعدت على القهوة بالليل وكان الكلام كله عن القطر اللي اتقلب، شوية سياسة، وشوية دين، وشوية ده قدرهم، وكلام كتيررر اووي مركزتش معاه خالص، شوية وجه حسن صاحبي قعد جمبي، سلمت عليه وانا متوقع أول كلمة هيقولها:
– شوفت ياعم القطر اللي اتقلب
– هو انا بس اللي شوفت ده البلد كلها شافت
– طيب ايه ؟؟
– ايه، مش فاهم
– مفيش أي مصلحة من اللي حصل ده
بصتله بخوف وانا بتمنى ميكونش اللي جوايا صح:
– قصدك ايه
– ياعم قطر مقلوب وناس ماتت، هنروح نقلب أي مصلحة كدا، وانا عرفت ان القطر مش هيتشال غير بكرة، يعني معانا طول الليل
– انت واعي للي بتقوله ده
– طبعا واعي، ولا عاجبك اللي احنا فيه ده، مفيش أي اصطباحة عارفين نجبها من اسبوع كامل
بصتله بغضب شديد وقولت:
– دي ناس بقت بين ايدين ربنا يابني، يعني اللي هنعمله ده حرام
– وهو لما كنا بنسرق الأحياء حلال والاموات اللي خلاص مشيوا حرام
فضلت ساكت مش عارف اتكلم عشان يقول:
– متركبش دماغك، ويالا عشان الفرصة هتضيع
– وافرض حد شافنا
– متقلقش السكة كلها ضلمة، واهل البلد حطوا اتنين يحرسوا القطر مع اتنين عساكر بس ابقا قابلني لو شافونا حتى
فضلت متردد عشان يطلع من جيبه حباية مخدرة ويديهاني ويقول:
– طلبك عندي
مسافة ما خدتها منه ابتسمت وقمت معاه عشان نطلع على السكة الحديد نسرق كام شنطة على كام محفظة أو موبايل من القطر..
خرجنا من قلب الغيطان في الضلمة ناحية السكة الحديد، وعلى ضوء القمر لمحناه، القطر اللي كان عامل زي القبر اللي بتطلع منه ريحة الموت والهلاك، الحديد اللي فرم جواه لحم البشر وكسر عضمهم وخلى دمهم يسيل، سمعنا صوت العساكر على المزلقان هناك قاعدين فبعدنا عنهم خالص وروحنا عند اخر عربية في القطر، كنت شايف على قضيب القطر دم اسود متجلط، يمكن ده كان تحذير بس انا كنت خلاص في الأمر الواقع..
وبكل سلاسة دخلنا من أخر عربية واللي كانت مقلوبة، نورنا كشافات الموبايل وسط الهدوء ده وبدأنا رحلة البحث، شنطة، موبايل، محفظة، فلوس، أي حاجة ممكن تكون وقعت من الركاب الأموات أو المصابين مش هتفرق بقا..
بس للأسف فضلنا اكتر من نص ساعة ندور بس ملقناش أي حاجة، أهل البلد كانوا فاهمين وتقريبا لموا كل المفقودات وحطوها في بيت حد منهم وقفلوا عليها لحد ما يستدلوا على أصحابها، كنت غضبان اوي، حاسس اني عملت جريمة وفي الأخر مخدتش أي حاجة..
اتكلم حسن وقال:
– شكلها كدا مفيهاش مصلحة
– الله يخربيتك يا شيخ، ده اللي يمشي وراك يتو….
قطعت كلامي لما دوست برجلي على أرضية القطر وفجأة سقط لوح صاج من الجنب، بعدت بسرعة عشان ميقعش عليا وكانت الصدمة، كانت فيه جثة بنت محشورة بين الكرسي اللي كان على الجنب لأن القطر مقلوب والحيطة ومفرومة خالص، سلطت الضوء عليها وجسمي كله اتكهرب، الجثة كانت حرفيا متكسر عضمها كله وجسمها كله دم متجلط وعنيها مفتوحة بطريقة مرعبة..
رجعت لورا وانا خايف عشان يتأملها حسن ويقول:
– الله يرحمك يا حلوة
حسيت بحزن رهيب وقتها عليها، وبالأخص ان الجثة محدش شافها وفضلت محشورة مكانها بالطريقة البشعة دي، وفجأة لقيت حسن بيشد شنطة صغيرة كانت في حضن الجثة، مسكت ايده بغضب وقولت:
– بتعمل ايه الله ياخدك
– يعني هنروح من هنا ببلاش، استنا يمكن نلاقي حاجة معاها ناخدها
مسكته من رقبته بقوة وقولتله:
– لو قربت منها هقتلك، انا حرامي اه وفيا كل العبر، بس دي حرمة أموات
زقني بقوة وقال:
– بلاش اعملها معاك
وقتها كنت فقدت كل أعصابي ومسكت فيه، كان نفسي اقتله من كتر ما بكرهه، هو اللي دخلني سكة السرقة والمخدرات وكل حاجة غلط في حياتي هو السبب فيها..
كنت بتلكك عشان انتقم منه، بس هو كان اكبر مني في الجسم، ومسكنا في بعض ووقعنا على الأرض، ضربة هنا وضربة هنا وشتايم وألفاظ قذرة لحد ما لقيته شهق شهقة مخيفة وبص ورايا بكل رعب..
التفت بسرعة عشان الاقي الجثة مش موجودة مكانها، لحظات بس اختفت فيهم الجثة نهائيا، وقفنا نترعش جمب بعض واحنا مش فاهمين سبب اللي بيحصل ده، قررت اسيبه وامشي خالص، بس فجأة سمعنا صوت حركة هناك، عند الباب اللي دخلنا منه واللي مفترض نخرج منه، الباب كان في وشه الحمام،. الصوت تقريبا كان جاي من حمام العربية اللي احنا فيها..
وقبل ما نتحرك بس لمحت الجثة واقفة قدام باب العربية وبتبصلنا بغضب شديد، الدم عليها كان بيسيل عكس ما كان متجلط من شوية، رغم الضلمة كنا شايفينها واضحة اوي، في اللحظة دي لقيت حسن سبع الرجال وقع من طوله، وبقيت انا وهي لوحدنا، مخرج العربية اللي ورا متدمر بالحديد واستحالة تخرج منه، والشبابيك كلها صغيرة، مفيش غير اني اعدي من الجثة دي واخرج، في اللحظة دي بدأ يطلع منها صوت بكاء، وعنيها بدأت تسيل بالدم بدل الدموع، فضلت مكاني اتهز زي المشلول من الرعب مش قادر انطق، اهمس، أو حتى اتحرك، لقيتها من وسط بكائها بدأت تشهق وتنزل دم كتير من بقها وعنيها، ولقيتها بتتحرك ناحيتنا، بصيت على رجليها لقيتها مكسورة نصين، ومع ذلك هي ماشية بطريقة مرعبة..
رجعت لورا وانا مرعوب لحد ما انكمشت مكاني في جنب العربية، وبدأت هي تقرب وتقرب لحد ما وقفت فوق جسم حسن، وقتها بصتلي بعنين كلها دم، قلبي كان هينط من مكانه وانفاسي هتقف، حسيت انها بتوجه ليا رسالة، او كأنها مش عايزة تموتني انا، معرفش ليه ده كان احساسي، واتحركت وانا كاتم انفاسي من جمبها لحد ما تخطيتها و
في اللحظة دي لمحت بطاقة مرمية في الأرض، معرفش ليه خدتها ونطيت من القطر وانا اعصابي كلها متدمرة، مسافة ما خرجت سمعت صوت صراخ رهيب جاي من ورايا، كان صوت حسن اللي فاق، كان بيستغيث بيا بس انا كنت استحالة ارجعله، صراخه كان وكأنه جاي من الجحيم..
سمعت صوت العساكر بيجروا ناحية القطر على صوت صراخه، في اللحظة دي بس جريت زي الصاروخ وبعدت عن المكان كله وصوت صراخ حسن مبيقفش..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………….
تاني يوم كنت قاعد على نفس القهوة، بس الغريب ان الحوارات كلها اختلفت، الكل كان بيحكي عن حسن اللي لقوه قتيل جمب جثة في القطر، بيقولوا انه كان عامل زي الغريق وشه كله أزرق وعنيه جاحظة وشكله مرعب، وبيقولوا انه كان داخل يسرق بس ربنا قدر انه يموت بالطريقة دي، في اللحظة دي خرجت البطاقة من جيبي وقرأت الاسم
“شيماء مرسي أبو الفتوح”
وبكل هدوء قلت جوايا:
– الله يرحمك يا شيماء
………………
السرقة جريمة بشعة، انتهاك حقوق الغير واللي جرمها رب العباد من فوق سبع سماوات وقال:
“والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم” والسرقة الأدبية بما فيها سرقة القصص تعتبر سرقة تستحق العقاب..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………………
القصة دي صدقة جارية لكل اللي ماتوا في حوادث قطار قبل كدا، ممكن ندعيلهم بالرحمة والمغفرة..

More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب