أبريل 20, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“الزنزانة دي مسكونة”

بقلم: أحمد محمود شرقاوي
ده اللي بيهمس بيه المساجين كلهم هنا، الكل هنا في قمة الانضباط عشان ميتعاقبش، والعقاب هنا بيكون تلت ايام انفرادي في زنزانة الجحيم دي، ومن كتر الكلام المخيف اللي اتقال عنها بقا الكل بيتحاشى انه حتى يقرب منها، بس انا قدري كان واقف مستنيني جوة الزنزانة، واتكتب عليا الهلاك جوة الزنزانة دي..
……………….
إحساس انك اتدفنت وانت حي، جربت الإحساس ده قبل كدا، أهو ده احساسي وانا راكب عربية الترحيلات ومترحل للسجن، بتحس انك جوة قبر بيترحل بيك ورايح ناحية الجحيم، نسخة مصغرة من الموت والقبر اللي بينقلك ناحية الأخرة، وانا واحد محكوم عليه بعشر سنين سجن، يعني يا عالم هشوف الدنيا تاني ولا لا..
بصيت من الشباك الصغير لعربية الترحيلات وكأني بودع الدنيا باللي فيها، وكأني على خشبة الموت ورايح للقبر، حياتي انتهت أو ما تبقى منها هعيشه في عذاب، والله أعلم بعد عذاب السجن فيه عذاب أكبر ولا لا..
وصلنا للسجن ونزلنا من العربية، قابلنا المأمور وكام ظابط وعرفونا بلوايح السجن كويس وبعدها وزعونا على العنابر، ومن أول ما دخلت العنبر وشوفت العيون اللي كلها شر عرفت اني هدفع التمن غالي أوي..
وبدأت الحياة تكشف عن الوش التاني، اشغال طول النهار، وأكل بالمواعيد ونوم بالمواعيد، حياة قاسية جدا تدمر أي قلب وتحولك لمسخ يادوب بياكل ويشرب..
وللأسف الأفلام كشفت كتير عن حياة السجون، لإن كل عنبر وليه كبير، وحتى السجن نفسه ليه كبير، وبعد أيام من الصمت بدأت احتكاكات من المساجين عشان يعرفوا لوني ايه، عشان يشوفوني هسمع الكلام ولا لا..
ولقيت نفسي في يوم الصبح متوزع نضافة حمامات، ولقيت نفسي ماسك فرشة حمام ومنظف وبنضف حمامات السجن كلها، وحسيت بإهانة رهيبة وانا قاعد على ركبي وبنضف حمامات قذرة البهايم نفسها تقرف تدخلها..
يوم كامل شوفت فيه المُر عشان أخلص على المغرب وادخل على العنبر ميت من التعب، بس قبل ما ادخل على سريري لقيت كبير العنبر بيقولي ان نبطشي الحمام بينضف العنبر كمان..
وقتها بصتله بغضب وشوفت في عنيه ترقب، مستني بفارغ الصبر اعترض عشان يثبت ليا إنه كبير العنبر، وغصب عني نضفت العنبر كله قبل ما المساجين يناموا، وصحيت من نومي جسمي متكسر مش قادر، وفوجئت اني متوزع برضه نضافة حمامات..
وقتها كلمت كبير العنبر واللي مسؤول عن توزيع المساجين بغضب، وبلغته إني كدا بتوزع يومين ورا بعض نضافة حمامات، بصلي بكل برود وقال:
– هو ده اللي عندي
كتمت غيظي بالعافية وقضيت يوم سيء جديد في نضافة الحمامات اللي تقريبا بتبوظ بعد دخول المساجين فيها بعد الفطار بس، وقضيت وقت صعب جدا جدا ما بين تنضيف ومسح وشيل القاذورات..
وعلى آخر اليوم رجعت العنبر ولقيت الكبير بيبصلي ببرود، وفهمت اني لازم انضف العنبر، وبقيت بين نار اني أثور فيه ونار اني مش عايز ابدأ ايامي هنا بعداوات مع حد، وجبت المكنسة وبدأت اكنس وانضف العنبر..
وبعدها اترميت على السرير زي القتيل، بس قبل ما أروح في النوم صحيت مخضوض لما لقيت راجل عجوز بيصحيني وبيكتم نفسي، بصتله بخوف عشان يحط صباعه على بقه بمعنى اسكت عشان محدش يسمعنا، ولقيته بيقرب مني وبيقول:
– ما تعملش أي مشاكل هنا لانك مش حمل الزنزانة الانفرادي يابني
وبعدها رجع لسريره واتغطى واختفى من قدام عنيا، قولت في نفسي هي ناقصة جنان على المسا وكملت نومي، وصحيت في نوبة الصحيان وكانت الصدمة، اتوزعت نضافة حمامات تاني، وقتها مقدرتش اتمالك اعصابي وروحت ازعق في كبير العنبر، لمحت بطرف عيني الراجل العجوز وشوفت في عنيه تحذير كبير، بس انا كنت ثاير، غضبان:
– هو مافيش غيري في العنبر القذر ده عشان كل يوم انضف الحمامات
لقيت كبير العنبر وكان اسمه فتحي بصلي بغضب وقال:
– اة مفيش غير وش امك ده اللي ينفع ينضف الحمامات
الكلمة فورت دمي، مع الضغط النفسي والتعب لقيت نفسي بهجم عليه بكل قوتي وبضربه، بس على مين، في اقل من لحظة كنت متكتف من تلاتة تانيين وهو نازل فيا ضرب بكوعه وقبضته بكل عنف، حسيت بطعم الدم في بقي وشوفت سناني بتتكسر، عنيا زغللت لما نزل عليها بقبضة ايده وبطني صرخت لما ضربني بركبته فيها..
كان ضخم ومفتري، كان ناقص بس يكسر عضمي عشان العلقة تكمل، في اللحظة دي دخل ظابط مسؤول واتكلم بغضب:
– ايه اللي بيحصل هنا يا فتحي
لقيت فتحي ادعى البراءة وقال:
– ده الواد الجديد عامل مشاكل واتخانق مع شوقي
وبص لواحد جمبه وقال:
– صح ياض يا شوقي
لقيت شوقي بيقول بخضوع:
– حصل يا باشا
راح الظابط منادي على الشاويش وقاله:
– خود شوقي والواد الجديد على الانفرادي عشان يتعلموا الأدب
وقتها شوفت في عنين شوقي نظرة رعب عشان يتكلم فتحي بعد ما الظابط مشي:
– شوقي تبعنا يا شاويش عبدالمعطي، متدخلوش الزنزانة اياها
ومن وسط دمي اللي بينزل من مناخيري فهمت اني هترمي في الزنزانة اللي حظرني منها الراجل العجوز، مسكني اتنين عساكر وسحبوني ورا الشاويش في ممر ضيق، نزلنا سلم لتحت وفتحوا باب حديد عشان الاقي نفسي في مكان شبيه بالكهف، عن يميني وشمالي ابواب حديد صغيرة خالص، فتحوا منهم باب وحطوا فيه شوقي اللي اتدبس في موضوع الخناقة..
وسحبوني انا لحد اخر الممر وفتحوا باب ورموني جوة وقفلوه تاني، ولقيت نفسي في زنزانة صغيرة، ضيقة اوي، كأنه تابوت، حيطانها سودة ومتخربشة وفيها حصيرة صغيرة وبس..
قعدت على الحصيرة صعبان عليا نفسي اوي، غلطة بسيطة ضيعت عمري كله، ياريتني ما عملت حاجة يومها، مددت على الحصيرة وتنيت ركبي عشان الزنزانة اضيق من انها تستوعبني وانا ممدد..
وغمضت عيني وحاولت انام، وفعلا غفلت شوية، بس وانا نايم سمعت صوت حد بيهمس جوة ودني، همسات غريبة أوي، وكأني واقع في دوامة غريبة والهمس بيجي من كل مكان، بعدها بدأ جسمي يبرد اوي كأننا جوة تلاجة او مشرحة باردة..
ومن قلب الدوامة دي شوفت واحد عنيه بيضا اوي بيهجم عليا وبيصرخ، وقمت اتنفضت من نومي وانا قلبي بيدق بعنف، فضلت اتنفس بالعافية وجسمي كله يترعش من البرد اللي نزل على جسمي زي الرصاص ده..
وقتها كنا بالليل والزنزانة مضلمة، الباب سادد أي شعاع نور يدخل ليا، وسمعت صوت حاجة بتخربش في الحيطة قصادي، بيني وبينها مفيش متر ونص تقريبا، كشيت جسمي في ركن الزنزانة وقلبي فضل يدق بعنف..
بتمنى يكون فار أو حشرة، لأن الصوت كان واضح اوي، بس بدأت احس بصوابع بتلمس رجلي من تحت، جسمي قشعر اكتر واكتر وانكمشت على نفسي وانا بتكلم بصوت مرعوب:
– مين اللي هنا رد عليا
بس الصوابع لمست رجليا من تاني، واتنفض جسمي كله وحسيت برعب رهيب بينهش في جسمي كله، بعدها بدأ صوت حد بيشهق يوصلني، وكأنه حد في سكرات الموت وروحه ماسكة في جسمه ورافضة تخرج..
جسمي انكمش اكتر وبقيت اتنفض زي العيل الصغير، خاصة اني حسيت بحد بيتنفس قدام وشي في الضلمة، بيتنفس بصوت عالي، كنت مشلول مش قادر اصرخ، وبردان مش قادر اقف مكاني حتى..
وبعدها شوفتها، عنين منورة في قلب ضلمة الزنزانة، عنين بيضا مرعبة، كانت بتبصلي بثبات مخيف، جسمي كان عمال يتلوى وكأني في حالة صرع، لساني اتعقد وشفايفي انطبقت على بعض، شعر جسمي كله وقف ودراعاتي اتلوت بطريقة عجيبة..
وفضلت ابص للعنين دي لحد ما قربت مني وبقت قدام عنيا بالظبط، ورغم ان الزنزانة ضلمة كحل، شوفت وش أزرق ومنفوخ بطريقة مرعبة قدام وشي، وقتها بس مقدرتش اقاوم ووقعت من طولي فاقد الوعي..
صحيت وانا حاسس اني بموت، كان باب الزنزانة اتفتح وعسكري تاني غير الأول دخل عشان يخرجني، مكنتش قادر أقف، اهمس، دخلت العنبر زي القتيل ووقعت من طولي على السرير..
وقتها شوفت العجوز اياه، قرب مني بعد ما العنبر فضي واستأذن العسكري ودخلي، وأول ما شافني شهق، بصيتله بعنين زايغة عشان يطلع مراية صغيرة من جيبه ويوريني نفسي..
واتصعقت لما شوفت شعري كله ابيض وجلدي مكرمش كأني كبرت اربعين سنة دفعة واحدة، مسكته من ايده وبصيت في عنيه وقولت:
– اااحكييللي
بصلي بشفقة وخد نفس عميق وقال:
الزنزانة دي كانت للعقاب زي اي زنزانة انفرادية، لحد ما جه ظابط اسمه طلال السجن، كان ظابط مفتري بحق وحقيقي، لدرجة ان فيه مسجون عمل شغب كبير فخده الظابط طلال للزنزانة دي وفضل يضرب فيه لحد ما قتلوا..
الراجل اللي مات ده كان داخل السجن برئ، وكلنا هنا المساجين بنعرف مين برئ ومين لا، وقتها اتحاكم الظابط طلال، واتفصل من خدمته واتحكم عليه بالسجن في نفس السجن ده..
وكأن يابني الزنزانة فضلت تناديه، لأنه بقا شرس جدا وعمل ألف مشكلة لحد ما اترمى في الانفرادي، في نفس الزنزانة، تاني يوم سمعنا انه مات جوة، واتقال ان سبب الوفاة هبوط حاد في الدورة الدموية..
بس المخيف بعدها ان كل مسجون كان بيدخل الزنزانة دي كان بيخرة وهو فاقد عقله، مجنون، بعضهم كان بيكمل وبعضهم كان بيفضل زي التايه ويفتعل مشاكل عشان يرجع الزنزانة تاني، ونلاقيه بعدها ميت بنفس طريقة الظابط..
انا بس يابني اللي عرفت ليه ناس بتخرج منها ومبترجعش، وليه ناس بترجعها وبتموت، وده يابني عشان معانا هنا ناس قتلت، وكل اللي دخل السجن في قتل بيدخل الزنزانة مرة ويخرج تايه، مجنون، ولازم يعمل مشكلة عشان يرجعها تاني ويموت، وكأنها غرفة اعدام للقتلة بقانونها الخاص..
ولما مات فيها تلاتة اتقفلت خالص، بس المأمور الجديد لما رجع مصدقش حكاية العفاريت دي وفتحها تاني، وانت أول واحد يدخلها يابني بعد ما اتفتحت، ألا قولي انت جاي في ايه هنا؟
بصتله برعب الكون وقولت:
– انا اغتصبت واحدة ولما اخوها اتخانق معايا قتلته، بس دفعت فلوس كتير اوي والمحامي لقى ثغرات ولما اتحكم عليا بالإعدام في الجلسة الاولى الحكم اتنقض وخدت ١٠ سنين
وقتها الراجل العجوز رجع بذعر لورا وقال
“إن لله وإن إليه راجعون”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………………
المسجون الجديد فضلت حالته تسوء اكتر واكتر، كان بيقوم من النوم يصرخ ويقول مش هقدر آجي مش هقدر، اتعرض على دكتور السجن واتقال ان حالته مستقرة، بس انا كنت عارف ان الزنزانة بتناديه، وانه لازم يلبي النداء، كان بيعجز، بيتحول لمسخ مخيف، لحد ما في يوم هاجم فتحي لما أمره ينضف العنبر..
وقتها محدش كان قادر ابدا يمسكه عن فتحي كأنه اتحول لوحش مفترس، ولولا العساكر كان قتل فتحي، ووصل الموضوع للمأمور لأن فتحي كان هيموت تقريبا، وأمر المأمور ان المسجون يترمي في الانفرادي، وهو اللي طلب من العسكري يدخله في الزنزانة اياها..
تاني يوم بس سمعنا انه مات، العسكري حكالي وقالي انهم لقوه متخشب وجسمه أزرق وعنيه جاحظة وكأنها هتخرج من مكانها، وعرفت ان الزنزانة نفذت حكمها، وكأنها بقت محكمة من عالم تاني بتنفذ حكمها في القتلة، مش عارف ادعيلك بالرحمة ولا اعمل ايه يابني..
“وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”