قصة قصيرة :
بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
كان “باسم” شاب بسيط في مقتبل العمر لكنه مملوء بحماسة الشباب وبراءة الأطفال كان باسم لا تفارق البسمة وجهه البشوش حتى وقع في الحب وتخلت عنه حبيبته رضوخا لأبيها الذي رفض زواجها من باسم مرارا وتكرارا بسبب ضيق ذات اليد لدى باسم وأصر الأب على زواج أبنته من رجل ثري خوفا على أبنته من تقلبات الحياة لكن الحياة تقلبت بالفعل وعادت الفتاة لأبيها بعد عامين فقط ومعها فتاة أخرى رضيعة فبدلا من أن يوفر الإستقرار لأبنته أصبح مُطالباً بتوفير الإستقرار لها ولفتاة أخرى صغيرة وعندما علم باسم بطلاقها ذهب مسرعا لأبيها لكنه فوجيء بسوء معاملة أكثر من سابق المرات ، سوء معاملة وإهانة وتجريح ودعوة للزواج من أي فتاة أخرى لم يسبق لها الزواج بدلا من الزواج ممن سبق لها الزواج وكان لدى الأب إصرار على الرفض أكثر من أي وقت مضى بل كان يدعو باسم للزواج من أي فتاة أخرى حتى لو كانت أبنته الصغرى التي هي أخت محبوبة باسم فكان كل هذا الموقف صادما لباسم بشكل يفوق قدراته على التخيل أو التعبير لهذه الدرجة يُقيم الناس كل شيء وفقا للعقل والمنطق والعرف الذي صنعه الناس بأنفسهم ودون أي إعتبار للمشاعر ، ذهب باسم إلى الحاج “جابر” بعد أن ضاقت به الدنيا ولم يعد يستطع أن يبوح لأي قريب أو صديق بمعاناته ذهب للحاج جابر لما يعلمه باسم من حكمة الحاج جابر وكأنه جابرا بكلامه الطيب للكسور فكان أول كلام الحاج جابر له ” لا تنتظر جبرا إلا من الله وليس من البشر أو من أحد أذاك فالله وحده يجبر قلوبا لا يعلم بكسرها سواه ” كان الحاج جابر يرفض زواج باسم من أخت محبوبة باسم أو بأي واحدة من طرفها ونصحه بأن يبتعد تماما لعل يوما ما يكون الأمر مُهيء له ولمحبوبته وبدون وصاية من هذا الأب الذي يخضع تماما لحسابات المنطق والعرف فقط دون مراعاة لأي شيء آخر ونصحه الحاج جابر بأن ينسى هذا الموضوع تماما فلعل كل هذا الرفض إشارة من الله عز وجل بأن له نصيبا آخر أفضل غير ما يتمناه أو يرفضه حول المرأة الوحيدة التي تعلق بها قلبه وبالفعل مرت سنوات وسنوات وباسم زاهدا في الزواج حتى تعرف على فتاة غاية في الجمال والرقة والطيبة كانت أصغر منه بتسع سنوات وبادرته التعبير بالإعجاب ورغبتها في الإرتباط به وأصرت على ذلك فما كان منه إلا الموافقة وقضى معها أجمل ٧ سنوات وأنجبت له ولد وبنت وبعد ٧ سنوات توفت في حادث سير أليم وأغلق باسم على نفسه وعلى الولد والبنت لكي يؤدي رسالته كاملة نحوهما بعد أن أصبح بمثابة أبا وأما لهما لكنه في يوم من الأيام ذهب لاستخراج وثيقة إعلام وراثة لزوجته فوجد في المحكمة حبيبته القديمة تقوم باستخراج وثيقة إعلام وراثة لأبيها وتبادلا أطراف الحديث وعرفت عنه كل شيء وعرف عنها كل شيء وفوجيء بها تطلب الزواج منه وكان باسم قد أخذ عهدا على نفسه عدم الزواج بعد وفاة أم أبنائه فأصبح حائرا لا يعرف بما يجيبها وأنهمرت من عينيه الدموع فهو ولأول مرة يجد نفسه هو من يرفض الإرتباط بحب عمره ولا يستطيع أن يبوح بذلك الرفض فعاود كرة الذهاب إلى الحاج جابر لكنه هذه المرة لم يعد هذا الشاب البسيط البريء المتقد حماسة بل أصبح رجلا يتقدم به العمر وتثقله المسئوليات فقال له الحاج جابر ” أتتك سُقيا جبر الخاطر في وقتها وهي خيرٌ في وقتها ” فتعجب باسم من بسمة وهدوء الحاج جابر ومن رد فعله وكلامه النابض بالحياة والإيمان والثقة فكانت كلماته تنساب رقراقة دون تردد فكيف لعم جابر بهذه الثقة وهذا الهدوء وهذه الحكمة فوافق باسم على الزواج من حب عمره شريطة الفصل بين المنزل الذي يجمعه بأبنائه والمنزل الذي يجمعه بمحبوبة عمره فهو يرفض تحت أي ظرف أن تكون ضغوط الحياة سببا في تلف هذا الحب أو أن يتضرر أبنائه نفسيا من حبه لأخرى غير أمهم ووافقت محبوبته وشاركته في تربية أبنائه من غير تدخل مباشر لتظل على وفاق دائم معهم إحتراماً لرغبة باسم وأمضيا سوياً ما بقي من العمر يرتشفا سقيا جبر الخاطر فكل منهما جاء جبرا لخاطر الآخر في أكثر الأوقات إحتياجا للآخر .

More Stories
الرائد أحمد فريد عبد الخالق.. حضور أمني يجمع بين الحزم والإنسانية داخل مركز شرطة تلا
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل